وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات ﴾
أي اكتسبوها.
والاْجتراح : الاْكتساب ؛ ومنه الجوارح، وقد تقدم في المائدة.
﴿ أَن نَّجْعَلَهُمْ كالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ قال الكلبي :"الَّذِينَ اجْتَرَحُوا" عُتبة وشَيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة.
و"الَّذِينَ آمَنُوا" عليّ وحمزة وعُبيدة بن الحارث رضي الله عنهم حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم.
وقيل : نزلت في قوم من المشركين قالوا : إنهم يعطون في الآخرة خيراً مما يعطاه المؤمن ؛ كما أخبر الربّ عنهم في قوله :﴿ وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى ﴾ [ فصلت : ٥٠ ].
وقوله :"أَمْ حَسِبَ" استفهام معطوف معناه الإنكار.
وأهل العربية يجوّزون ذلك من غير عطف إذا كان متوسطاً للخطاب.
وقوم يقولون : فيه إضمار ؛ أي والله وليّ المتقين أفيعلم المشركون ذلك أم حسبوا أنا نسوّي بينهم.
وقيل : هي أم المنقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان.
وقراءة العامة "سَوَاءٌ" بالرفع على أنه خبر ابتداء مقدّم، أي محياهم ومماتهم سواء.
والضمير في "مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ" يعود على الكفار، أي محياهم محيا سوء ومماتهم كذلك.
وقرأ حمزة والكسائي والأعمش "سَوَاء" بالنصب، واختاره أبو عبيد قال : معناه نجعلهم سواء.
وقرأ الأعمش أيضاً وعيسى بن عمر "وَمَمَاتَهم" بالنصب ؛ على معنى سواء في محياهم ومماتهم ؛ فلما أسقط الخافض انتصب.
ويجوز أن يكون "مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ" بدلاً من الهاء والميم في نجعلهم ؛ المعنى : أن نجعل محياهم ومماتهم سواء كمحيا الذين آمنوا ومماتهم.
ويجوز أن يكون الضمير في "مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ" للكفار والمؤمنين جميعاً.
قال مجاهد : المؤمن يموت مؤمناً ويبعث مؤمناً، والكافر يموت كافراً ويبعث كافراً.


الصفحة التالية
Icon