ولما كنا المجيب قد يجيب في شيء دون شيء كما كان أبو طالب عم النبي ـ ﷺ ـ، عطفوا في خطابهم لهم في الدعوة أن قالوا :﴿وآمنوا به﴾ أي أوقعوا التصديق بسبب الداعي لا بسبب آخر، فإن المفعول معه مفعول مع من أرسله وهو الله الذي جلت قدرته وآمنوه من كل تكذيب، أو الضمير للمضاف إليه وهو الله بدليل قولهم :﴿يغفر لكم﴾ : فإنه يستر ويسامح ﴿من ذنوبكم﴾ أي الشرك وما شابهه مما هو حق لله تعالى أي وذلك الستر لا يكون إلا إذا حصل منكم الإجابة التامة والتصديق التام وأدخلوا " من " إعلاماً بأن مظالم العباد لا تغفر إلا بإرضاء أهلها وكذا ما يجازى به صاحبه في الدنيا بالعقوبات والنكبات والهموم ونحوها مما أشار إيه قوله تعالى ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [ الشورى : ٣٠ ] ﴿ويجركم﴾ أي يمنعكم " إذا أجبتم " منع الجار لجاره لكونكم بالتحيز إلى داعيه صرتم من حزبه ﴿من عذاب أليم﴾ واقتصارهم على المغفرة تذكير بذنوبهم لأن مقصودهم الإنذار لا ينافي صريح قوله ي هذه السورة ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ [ الأنعام : ١٣٢ ] في إثبات الثواب، ونقله أبو حيان عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ قال : لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها.
ولما فرغوا من التعريف بالحق والدلالة عليه والدعاء إليه والإنذار بالرفق بما أفهم كلامهم من أنهم إن لم يجيبوا انتقم منهم بالعذاب الأليم، أتبعوه ما هو أغلظ إنذاراً منه فقالوا :﴿ومن لا يجب﴾ أي لا يتجدد منه أن يجيب ﴿داعي الله﴾ أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء الذي لا كفوء له ولا طاقة لأحد بسخطه فعم بدعوة هذا الرسول ـ ﷺ ـ جميع الخلق.


الصفحة التالية
Icon