الثالثة - قال المهايمي : تفيد الآية أن دين الحق قد ظهر في أصحابه صلوات الله عليه، إذ اعتدلت قوتهم الغضبية ! بتبعية اعتدال المفكرة والشهوية ؛ إذ هم أشداء على الكفار، لرسوخهم في صحة الاعتقاد، بحيث يغارون على من لم يصح اعتقاده، رحماء بينهم، لعدم ميلهم إلى الشهوات. هذا باعتبار الأخلاق، وأما باعتبار الأعمال، فأنت :﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ﴾ قال ابن كثير : وصفهم بكثرة العمل، وكثرة الصلاة، وهي خير الأعمال. ووصفهم بالإخلاص فيها لله عز وجل، والاحتساب عند الله تعالى جزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله عز وجل، وهو سعة الرزق عليهم ورضاه تعالى عنهم ! وهو أكبر من الأولى، كما قال جل وعلا :﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [ التوبة : ٧٢ ] انتهى.
﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم ﴾ مبتدأ وخبر، أي : علامتهم كائنة فيها. وقوله تعالى :﴿ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ﴾ بيان للسيما، كأنه قيل : سيماهم التي هي أثر السجود، أو حال من المستكن في وجوههم.
قال الشهاب : وهي على ما قبله خبر مبتدأ تقديره : هي من أثر السجود. انتهى. وهل الوجوه مجاز عن الذوات، أو حقيقة ؟ في معناها تأويلان للسلف، فعن ابن عباس :﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم ﴾ يعني السمت الحسن. وقال مجاهد وغير واحد، يعني الخشوع والتواضع. وقال منصور لمجاهد : ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه، فقال مجاهد، ربما كان بين عيني من هو أقسى قلباً من فرعون.
وقال بعض السلف : من كثرت صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار. وقد رفعه ابن ماجه. والصحيح أنه موقوف. وقال بعضهم : عن للحسنة لنوراً في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس. وقال أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه : ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.


الصفحة التالية
Icon