ثانيها : معناه نحن أعلم بما يقولون من كل عالم بما يعلمه، والأول أصح وأظهر وأوضح وأشهر وقوله :﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ فيه وجوه : أحدها : أن للتسلية أيضاً، وذلك لأنه لما من عليه بالإقبال على الشغل الأخروي وهو العبادة أخبر بأنه لم يصرف عن الشغل الآخر وهو البعث، كما أن الملك إذا أمر بعض عبيده بشغلين فظهر عجزه في أحدهما : يقول له أقبل على الشغل الآخر ومنهما ونحن نبعث من يقدر على الذي عجزت عن منهما، فقال :﴿اصبر.
وسبح، وما أنت.
بجبار﴾
أي فما كان امتناعهم بسبب تجبر منك أو تكبر فاشمأزوا من سوء خلقك، بل كنت بهم رؤوفاً وعليهم عطوفاً وبالغت وبلغت وامتنعوا فأقبل على الصبر والتسبيح غير مصروف عن الشغل الأول بسبب جبروتك، وهذا في معنى قوله تعالى :﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ إلى أن قال :
﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [ القلم : ٢ ٤ ]، ثانيها : هو بيان أن النبي ﷺ أتى بما عليه من الهداية، وذلك لأنه أرسله منذراً وهادياً لا ملجأ ومجبراً، وهذا كما في قوله تعالى :﴿فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ [ الشورى : ١٨ ] أي تحفظهم من الكفر والنار، وقوله :﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ﴾ في معنى قول القائل : اليوم فلان علينا، في جواب من يقول : من عليكم اليوم ؟ أي من الوالي عليكم.
ثالثها : هو بيان لعدم وقت نزول العذاب بعد، وذلك لأن النبي ﷺ لما أنذر وأعذر وأظهر لم يؤمنوا كان يقول إن هذا وقت العذاب، فقال : نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بمسلط فذكر بعذابي إن لم يؤمنوا من بقي منهم ممن تعلم أنه يؤمن ثم تسلط، ويؤيد هذا قول المفسرين أن الآية نزلت قبل نزول آية القتال، وعلى هذا فقوله :﴿فَذَكّرْ بالقرءان مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي من بقي منهم ممن يخاف يوم الوعيد، وفيه وجوه أُخر.


الصفحة التالية
Icon