الثالث : أن الله تعالى ذكره بعد هذه الآية :﴿إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا﴾ [البقرة : ١٦٦] وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أنداد وأمثالاً لله تعالى، يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم، ما يلتزمه المؤمنون من الانقياد لله تعالى.
القول الثالث : في تفسير الأنداد قول الصوفية والعارفين، وهو أن كل شيء شغلت قلبك به سوى الله تعالى، فقد جعلته في قلبك نداً لله تعالى وهو المراد من قوله :﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ [الفرقان : ٤٣]. أ هـ
﴿مفاتيح الغيب حـ ٤ صـ ١٨٤﴾
سؤال : فإن قيل : إذا كان المؤمنون أشد حباً لله فما معنى قوله :﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله﴾ ؟
قيل له : يحتمل أن بعض المؤمنين حبهم مثل حبهم وبعضهم أشد حباً، وفي أول الآية ذكر بعض المؤمنين، وفي آخر الآية ذكر المؤمنين الذين هم أشد حباً لله. والحب لله أن يطيعوه في أمره وينتهوا عن نهيه، فكل من كان أطوع لله فهو أشد حباً له. كما قال القائل :
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَاِدقاً لأَطَعْتَه... إِنَّ المُحْبَّ لِمَنْ يُحْبُّ مُطِيعُ.
أهـ ﴿بحر العلوم حـ ١ صـ ١٣٧﴾
سؤال : فإن قيل : العاقل يستحيل أن يكون حبه للأوثان كحبه لله، وذلك لأنه بضرورة العقل يعلم أن هذه الأوثان أحجار لا تنفع، ولا تضر، ولا تسمع، ولا تبصر ولا تعقل، وكانوا مقرين بأن لهذا العالم صانعاً مدبراً حكيماً ولهذا قال تعالى :﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزمر : ٣٨] ومع هذا الاعتقاد كيف يعقل أن يكون حبهم لتلك الأوثان كحبهم لله تعالى، وأيضاً فإن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا :﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى﴾ [الزمر : ٣] وإذا كان كذلك، كان المقصود الأصلي طلب مرضات الله تعالى، فكيف يعقل الاستواء في الحب مع هذا القول ؟


الصفحة التالية
Icon