وقولُه تعالى :﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ﴾ إضرابٌ من التبكيتِ المذكورِ إلى وجهٍ آخرَ من التبكيتِ. والالتفاتُ للإيذانِ باقتضاءِ حالِهم للإعراضِ عنهُم وإسقاطِهم عن رتبةِ الخطابِ وحكايةِ قبائِحهم لغيرِهم أي بلْ أيقولونَ واثقينَ بشوكتِهم نحنُ أولُو حزمٍ ورأيٍ أمرُنا مجتمعٌ لا نُرامُ ولا نُضامُ أو منتصرٌ من الأعداءِ لا نُغلبُ أو متناصرٌ بعضُنا بعضاً. والإفرادُ باعتبارِ لفظِ الجميعِ. وقولُه تعالَى :﴿ سَيُهْزَمُ الجمع ﴾ ردٌّ وإبطالٌ لذلكَ، والسينُ للتأكيدِ أي يُهزم جمعُهم ألبتةَ ﴿ وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ أي الأدبارَ وقد قُرِىءَ كذلكَ. والتوحيدُ لإرادةِ الجنسِ أو إرادةِ أن كلّ واحدٍ منهم يولِّي دبرَه وقد كان كذلكَ يومَ بدرٍ. ( قال سعيدُ بنُ المسيِّبِ : سمعتُ عمَر بنَ الخطابِ رضيَ الله عنُهُ يقولُ : لما نزلتْ سُيهزمُ الجمعُ ويولونَ الدبرَ كنتَ لا أدرِي أيَّ جمعٍ يُهزمُ فلمَّا كانَ يومَ بدرٍ رأيتُ رسولَ الله ﷺ يلبَسُ الدرعَ ويقولُ :﴿ سُيهزمُ الجمعُ ويولونَ الدبرَ ﴾ فعرفتُ تأويلَها ). وقُرِىءَ سَيهزمُ الجمعَ أي الله عزَّ وعَلاَ ﴿ بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ ﴾ أي ليسَ هَذا تمامَ عقوبتِهم، بلِ الساعةُ موعدُ أصلِ عذابِهم وهَذا من طلائعِه ﴿ والساعة أدهى وَأَمَرُّ ﴾ أي في أقصى غايةٍ من الفظاعةِ والمرارةِ. والداهيةُ الأمرُ الفظيعُ الذي لا يُهتدَى إلى الخلاصِ عنْهُ. وإظهارُ الساعةِ في موقعِ إضمارِها لتربيةِ تهويلها.


الصفحة التالية
Icon