وقال ابن عاشور :
﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) ﴾
استئناف وقع تذييلاً لما قبله من الوعيد والإِنذار والاعتبار بما حلّ بالمكذبين، وهو أيضاً توطئة لقوله :﴿ وما أمرنا إلا واحدة ﴾ [ القمر : ٥٠ ] إلخ.
والمعنى : إنا خلقنا وفعلنا كلّ ما ذكر من الأفعال وأسبابها وآلالتها وسلّطنَاه على مستحقيه لأنا خلقنا كل شيء بقدر، أي فإذا علمتم هذا فانتبهوا إلى أن ما أنتم عليه من التكذيب والإِصرار مماثل لما كانت عليه الأمم السالفة.
واقترانُ الخبر بحرف ( إنّ ) يقال فيه ما قلناه في قوله :﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر ﴾ [ القمر : ٤٧ ].
والخَلْق أصله : إيجاد ذات بشكل مقصود فهو حقيقة في إيجاد الذوات، ويطلق مجازاً على إيجاد المعاني التي تشبه الذوات في التميز والوضوح كقوله تعالى :﴿ وتخلقون إفكاً ﴾ [ العنكبوت : ١٧ ].
فإطلاقه في قوله :﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه.
و﴿ شيء ﴾ معناه موجود من الجواهر والأعراض، أي خلقنا كل الموجودات جواهرها وأعراضها بقدَر.
والقدَر : بتحريك الدال مرادف القدْر بسكونها وهو تحديد الأمور وضبطها.
والمراد : أن خلْق الله الأشياء مصاحب لقوانين جارية على الحكمة، وهذا المعنى قد تكرر في القرآن كقوله في سورة الرعد ( ٨ ) ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ ومما يشمله عموم كل شيء خلق جهنم للعذاب.