وهذا الخبر مستعمل في التعريض بالمخاطبين بأنهم إذا تعرضوا لما يوقع عليهم الهلاك في الدنيا فليس ذلك قصارى عذابهم فإن بعده حساباً عليه في الآخرة يعذبون به وهذا كقوله تعالى :﴿ وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ﴾ [ الطور : ٤٧ ] ويجوز عندي أن يكون الضمير عائداً إلى الجمع من قوله :﴿ سيهزم الجمع ﴾ [ القمر : ٤٥ ] أو إلى ﴿ المجرمين ﴾ في قوله :﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر ﴾ [ القمر : ٤٧ ] الخ، والمعنى كل شيء فعله المشركون من شرك وأذى للنبيء ﷺ وللمسلمين معدود عليهم مهيأ عقابهم عليه لأن الإِخبار عن إحصاء أعمال الأمم الماضين قد أغنى عنه الإِخبار عن إهلاكهم، فالأجدر تحذير الحاضرين من سوء أعمالهم.
و﴿ الزبر ﴾ : جمع زبور وهو الكتاب مشتق من الزبر، وهو الكتابة، وجُمعت الزبر لأن لكل واحد كتاب أعماله، قال تعالى :﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً إقرأ كتابك ﴾ [ الإسراء : ١٣، ١٤ ] الآية.
وعموم ﴿ كل شيء فعلوه ﴾ مراد به خصوص ما كان من الأفعال عليه مؤاخذة في الآخرة.
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)
هذا كالتذييل لقوله :﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ [ القمر : ٥٢ ] فكل صغير وكبير أعمّ من كل شيء فعلوه، والمعنى : وكل شيء حقير أو عظيم مستطر، أي مكتوب مسطور، أي في علم الله تعالى أي كل ذلك يعلمه الله ويحاسب عليه، فمستطر : اسم مفعول من سطر إذا كتب سطوراً قال تعالى :﴿ وكتاب مسطور ﴾ [ الطور : ٢ ].
وهذا كقوله تعالى :﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ [ الأنعام : ٥٩ ] وقوله :﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ﴾ [ سبأ : ٣ ].