بحث قيم فى ﴿التقليد﴾
تعلّق قوم بهذه الآية في ذمّ التقليد لذمّ الله تعالى الكفارَ باتباعهم لآبائهم في الباطل، واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية. وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدِّين، وعصْمةٌ من عِصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصِّر عن دَرْك النظر.
واختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول على ما يأتي ؛ وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح.
الرابعة : التقليد عند العلماء حقيقته قبول قول بلا حجة ؛ وعلى هذا فَمَن قَبِل قول النبيّ ـ ﷺ ـ من غير نظر في معجزته يكون مُقَلِّداً ؛ وأمّا من نظر فيها فلا يكون مُقَلِّداً. وقيل : هو اعتقاد صحة فُتْيَا مَن لا يعلم صحة قوله. وهو في اللغة مأخوذ من قِلادة البعير ؛ فإن العرب تقول : قَلَّدت البعير إذا جعلت في عنقه حبلاً يُقاد به ؛ فكأن المقلِّد يجعل أمره كله لمن يقوده حيث شاء ؛ وكذلك قال شاعرهم :
وقلِّدوا أمركم لله دَرّكُم... ثَبْتَ الجَنان بأمر الحرب مضطّلعَا
الخامسة : التقليد ليس طريقاً للعلم ولا مُوصّلا له، لا في الأصول ولا في الفروع ؛ وهو قول جمهور العقلاء والعلماء ؛ خلافاً لما يحكى عن جُهّال الحشوية والثّعلبية من أنه طريق إلى معرفة الحق، وأن ذلك هو الواجب، وأن النظر والبحث حرام ؛ والاحتجاج عليهم في كتب الأصول.


الصفحة التالية
Icon