ومقام الصديقين مقام رفيع كما تصوره الأحاديث النبوية الشريفة. ومع علو هذا المقام فهو بفضل الله ميسور لمن أراد، وليس وقفا على أفراد ولا على طائفة. فكل من يحقق إيمانه بالله ورسله يطمع في هذا المقام الرفيع، ولا حجر على فضل الله:
(والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون)..
وتلك خاصية هذا الدين وميزته. إنه طريق مفتوح لجميع البشر، وأفق يتطلع إليه الجميع، ليس فيه احتكار للمقامات، وليس فيه خصوصيات محجوزة لأناس بأعيانهم. وليس إلا العمل يصعد بصاحبه إلى أرقى الدرجات. إنه دين لا مجال فيه للطبقات المحفوظة المقام !
روى الإمام مالك في كتابه "الموطأ" عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ( ﷺ ) قال:" إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم ".. قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال:" بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين "..
فهذه لمسة الإيمان. فأما لمسة الفداء فقوله بعد ذلك:
(والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم)..
والحديث عن مقام الشهداء ورد مرات في القرآن، وتواترت به الأحاديث النبوية. فهذا الدين لا يقوم بغير حراسة ; ولا يتحقق في الأرض بغير جهاد. جهاد لتأمين العقيدة وتأمين الدعوة وحماية أهله من الفتنة وشريعته من الفساد. ومن ثم كان للشهداء في سبيل الله - وهم وحدهم الذين يسمون الشهداء - مقامهم، وكان لهم قربهم من ربهم. القرب الذي يعبر عنه بأنهم (عند ربهم)..


الصفحة التالية
Icon