الثالث : أن قوله :﴿وَلاَ يُكَلّمُهُمُ﴾ استعارة عن الغضب لأن عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث وثالثها : قوله :﴿وَلاَ يُزَكّيهِمْ﴾ وفيه وجوه الأول : لا ينسبهم إلى التزكية ولا يثني عليهم الثاني : لا يقبل أعمالهم كما يقبل أعمال الأزكياء الثالث : لا ينزلهم منازل الأزكياء ورابعها : قوله :﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ واعلم أن الفعيل قد يكون بمعنى الفاعل كالسميع بمعنى السامع والعليم بمعنى العالم، وقد يكون بمعنى المفعول كالجريح والقتيل بمعنى المجروح والمقتول، وقد يكون بمعنى المفعل كالبصير بمعنى المبصر والأليم بمعنى المؤلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٥ صـ ٢٤﴾
كلام نفيس للعلامة ابن عاشور فى هذا الموضع :
وفعل ﴿يأكلون﴾ مستعار لأخذ الرُّشَا المعبر عنها بالثمن والظاهر أنه مستعمل في زمان الحال، أي ما يأكلون وقت كتمانهم واشترائهم إلاّ النارَ لأنه الأصل في المضارع.
والأكل مستعار للانتفاع مع الإخفاء، لأن الأكل انتفاع بالطعام وتغييب له فهو خفي لا يَظهر كحال الرشوة، ولما لم يكن لآكل الرشوة على كتمان الأحكام أكْلُ نار تعين أن في الكلام مجازاً، فقيل هو مجاز عقلي في تعلق الأكل بالنار وليست هي له وإنما له سببها أعني الرشوة، قال التفتازاني : وهو الذي يوهمه ظاهر كلام " الكشاف" لكنه صرح أخيراً بغيره، وقيل هو مجاز في الطَّرَف بأن أطلق لفظ النار على الرشوة إطْلاقاً للاسم على سببه قال التفتازاني : وهو الذي صرح به في " الكشاف" ونظَّره بقول الأعرابي يوبخ امرأته وكان يَقْلاَها :... أَكَلْتُ دَماً إنْ لم أَرُعْككِ بِضَرَّةٍ