الكاذبون } البالغونَ في الكذبِ إلى غايةٍ لا مطمحَ وراءَها حيثُ تجاسرُوا عَلى الكذبِ بينَ يَدي علاَّمِ الغيوبِ وزعمُوا أنَّ أيمانَهُم الفاجرةَ تروجُ الكذبَ لديهِ كَمَا تروجُهُ عندَ الغافلينَ.
﴿ استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان ﴾ أي استولى عليهمْ منْ حُذتُ الإبلَ إذَا استوليتُ علَيها وجمعتها وهوَ مما جاء على الأصلِ كاستصوبَ واستنوقَ أي ملَكهُم ﴿ فأنساهم ذِكْرَ الله ﴾ بحيثُ لم يذكرُوه بقلوبِهم ولا بألسنتِهم ﴿ أولئك ﴾ الموصوفونَ بما ذكرَ من القبائحِ ﴿ حِزْبُ الشيطان ﴾ أيْ جنودُهُ وأتباعُهُ ﴿ إِلا أَنْ حِزْبَ الشيطان هُمُ الخاسرون ﴾ أي الموصوفونَ بالخُسرانِ الذي لا غايةَ وراءَهُ حيثُ فوتُوا على أنفسهِم النعيمَ المقيمَ وأخذُوا بدَلَهُ العذابَ الأليمَ، وفي تصدير الجملةِ بحرفي التنبيهِ والتحقيقِ وإظهارِ المضافينِ معاً في موقعِ الإضمارِ بأحدِ الوجهينِ وتوسيطِ ضميرِ الفصلِ منْ فنونِ التأكيد ما لا يَخْفَى ﴿ إِنَّ الذين يُحَادُّونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتعليلِ ما قبلَهُ من خسرانِ حزبِ الشيطانِ عبرَ عنهُمْ بالموصولِ للتنبيهِ بما في حيزِ الصلةِ عَلى أنَّ مُوادةَ مَنْ حَادَّ الله ورسولَهُ محادّةٌ لَهُمَا والإشعارِ بعلةِ الحُكمِ ﴿ أولئك ﴾ بما فعلُوا منَ التولِي والموادةِ ﴿ فِى الأذلين ﴾ أيْ في جُملةِ منْ هُو أذلُّ خلقِ الله منَ الأولينَ والآخرينَ لأنَّ ذلةَ أحدِ المتخاصمينَ على مقدارِ عزةِ الآخرِ وحيثُ كانتْ عزةُ الله عزَّ وجلَّ غير متناهيةٍ كانتُ ذلةُ من يحادُّهُ كذلك.


الصفحة التالية
Icon