ولما كان الإنسان بما يساعد تزيين الشيطان عليه من شهواته وحُظوظه وأخلاقه يطيع أمره غالباً قال :﴿فلما كفر﴾ أي أوجد الكفر على أي وجه كان، ودلت الفاء على إسراعه في متابعة تزيينه ﴿قال﴾ أي الشيطان الذي هو هنا عبارة عن المنافقين مؤكداً لما لمن تعلق بمن أكد له الوعد بشيء من صادق الاعتماد عليه والتكذيب بأنه يخذله :﴿إني بريء منك﴾ أي ليس بيني وبينك علاقة في شيء أصلاً ظناً منه أن هذه البراءة تنفعه شيئاً مما استوجبه المأمور بقبوله لأمره، وذلك كناية عن أنه فعل معه من الإعراض عنه والتمادي في كل ما يدل على إهماله من أكد البراءة منه، وذلك كما فعل المنافقون باليهود جرؤوهم على أمر ينهى وهو الإقامة في بلدهم، فلما نصبوا الحرب طمعاً في نصرهم فعل المنافقون بتباطؤهم عنهم فعل المتبرئ منهم فكان ذلك أشد عليهم مما لم يطمعوهم في نصرهم لأن هذا بمنزله انهزامهم عنهم من الصف الموجب لانهزامهم لا محالة، ثم علل البراءة بقوله :﴿إني أخاف الله﴾ أي الملك الذي لا أمر لأحد معه فلا تطاق صولته، ثم شرح ذلك بقوله :﴿رب العالمين﴾ أي الذي أوجدهم من العدم ورباهم بما يدل على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، فلا يغني أحد من خلقه عن أحد شيئاً إلا بإذنه وهو لا يغفر أصلاً لمن يقدح ربوبيته ولا سيما إن نسبها إلى غيره، وكان هذا كمثل ما يجد الإنسان بعد الوقوع في المعصية من الندم والحيرة، فإذا وجد ذلك وهم بالتوبة زين له المعصية وصعب عليه أمر التوبة وعسره وجرأه على المعصية بعينها أو على ما هو أكبر منها، ولا يزال كذلك حتى يتعذر عليه الرجوع فيتحقق هلاكه وهلاك من أوقعه، فلذلك سبب عنه قوله :﴿فكان﴾ ولما كان تقديم الشيء على محله موجباً لروعة تنبه الإنسان للتفتيش عن السبب والتشويق إلى المؤخر قال :﴿عاقبتهما﴾ مقدماً لخبر " كان " ﴿أنهما﴾ أي الغار والمغرور ﴿في النار﴾ حال كونهما ﴿خالدين فيها﴾ لأنهما ظلما ظلماً لا فلاح معه.


الصفحة التالية
Icon