قال :"فما حملك على ما صنعت؟" فقال : يا رسول الله والله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلاَّ وَلَه بمكة من يمنع عشيرته، وكنت [ غريباً ] فيهم، وكان أهلي بين ظهرانَيْهم، فخشيتُ على أهلي، فأردت أن أَتَّخِذَ عندهم يداً، وقد علمتُ أن الله ينزل بهم بأسه، وكتابي لا يغني عنهم شيئاً، فصدَّقه رسول الله ﷺ وَعذَرَهُ، ونزلت هذه السورة تنهى حاطباً عما فعل، وتنهى المؤمنين أن يفعلوا كفعله، فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله : دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ :"وما يدريك يا عمر لعل الله اطَّلع على أهل بدر، فقالوا : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" "
وقد أخرج هذا الحديث في "الصحيحين" مختصراً، وفيه ذكر علي، وابن الزبير، وأبي مَرْثَدٍ فقط.
قوله تعالى :﴿ تلقون إليهم بالمودة ﴾ وفيه قولان.
أحدهما : أن الباء زائدة، والمعنى : تلقون إليهم المودَّة، ومثله ﴿ ومن يُرِدْ فيه بإلحادٍ بظلم ﴾ [ الحج : ٢٥ ]، هذا قول الفراء، وأبي عبيدة، وابن قتيبة، والجمهور.
والثاني : تلقون إليهم أخبار النبي ﷺ وسِرَّه بالمودة التي بينكم وبينه، قاله الزجاج.
قوله تعالى :﴿ وقد كفروا ﴾ الواو للحال، وحالهم أنهم كفروا بما جاءكم من الحق، وهو القرآن ﴿ يخرجون الرسول وإِيَّاكم ﴾ من مكة ﴿ أن تؤمنوا بالله ﴾ ﴿ إن كنتم خرجتم ﴾ هذا شرط، جوابه، متقدّم، وفي الكلام تقديم وتأخير.
قال الزجاج : معنى الآية : إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء.
قوله تعالى :﴿ تُسِرُّون إليهم بالمودَّة ﴾ الباء في "المودّة" حكمها حكم الأولى.
قال المفسرون : والمعنى : تُسِرُّون إليهم النصيحة ﴿ وأنا أعلم بما أخفيتم ﴾ من المودَّة للكفار ﴿ وما أعلنتم ﴾ أي : أظهرتم بألسنتكم.