قال ابن جرير : لا وجه لادِّعاء النسخ، لأن بِرَّ المؤمنين للمحاربين سواء كانوا قرابة أو غير قرابة، غير محرم إذا لم يكن في ذلك تقوية لهم على الحرب بكراع أو سلاح، أو دلالة لهم على عورة أهل الإسلام.
ويدل على ذلك حديث أسماء وأُمِّها الذي سبق.
قوله تعالى :﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهنَّ ﴾ قال ابن عباس : إن مشركي مكة صالحوا رسول الله ﷺ عام الحُديبية على أنَّ من أتاه من أهل مكة ردَّه إليهم.
ومن أتى أهل مكة من أصحابه، فهو لهم، وكتبوا بذلك الكتاب، وختموه، فجاءت سُبَيْعَة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب والنبي بالحُديبية، فأقبل زوجها وكان كافراً، فقال : يا محمد : اردد عليَّ امرأتي، فإِنك قد شرطت لنا أن تردَّ علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تَجِفَّ بعدُ فنزلت هذه الآية.
وذكر جماعة من العلماء منهم محمد ابن سعد كاتب الواقدي أن هذه الآية نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أول من هاجر من النساء الى المدينة بعد هجرة رسول الله ﷺ، فَقَدِمَتْ المدينة في هدنة الحديبية، فخرج في أثرها أخواها الوليد وُعمارة ابنا عقبة، فقالا : يا محمد، أوف لنا بشرطنا، وقالت أم كلثوم : يا رسول الله، أنا امرأة، وحال النساء إلى الضعف ما قد علمت، فتردّني إلى الكفار يفتنوني عن ديني، ولا صبر لي؟! فنقض الله عزَّ وجل العهد في النِّساء، وأنزل فيهن المحنة، وحكم فيهنَّ بحكم رضوه كلّهم، ونزل في أم كلثوم ﴿ فامتحنوهنَّ ﴾ فامتحنها رسول الله ﷺ، وامتحن النساء بعدها، يقول : والله ما أخرجكنَّ الا حبُّ الله ورسولهِ، وما خرجتنَّ لزوج ولا مال؟ فإذا قلن ذلك تركن، فلم يرددن إلى أهليهن.
وقد اختلف العلماء في المرأة التي كانت سبباً لنزول هذه الآية على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها سبيعة، وقد ذكرناه عن ابن عباس.


الصفحة التالية
Icon