فتقوى الله أن يقي المرء نفسه مما نهاه الله عنه، ولما كان ترك المأمورات فيؤول إلى إتيان المنهيات، لأن ترك الأمر منهي عنه إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده.
كان التصريح به بخصوصه اهتماماً بكلا الأمرين لتحصل حقيقة التقوى الشرعية وهي اجتناب المنهيات وامتثال المأمورات.
والمراد : اسمعوا الله، أي أطيعوه بالسمع للرسول ﷺ وطاعته.
والأمر بالسمع أمر يتلقَّى الشريعة والإِقبال على سماع مواعظ النبي ﷺ وذلك وسيلة التقوى قال تعالى :﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ [ الزمر : ١٧، ١٨ ].
وعطف عليه ﴿ وأطيعوا ﴾ : أي أطيعوا ما سمعتم من أمر ونهي.
وعَطْف ﴿ وأنفقوا ﴾ تخصيصٌ بعد تخصيص فإن الإنفاق مما أمر الله به فهو من المأمورات.
وصيغة الأمر تشتمل واجب الإِنفاق والمندوبَ ففيه التحريض على الإِنفاق بمرتبتيه وهذا من الاهتمام بالنزاهة عن فتنة المال التي ذكرت في قوله:
﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ [ التغابن : ١٥ ].
وانتصب ﴿ خيراً ﴾ على الصفة لمصدرٍ محذوف دل عليه ﴿ أنفقوا ﴾.
والتقدير : إنفاقاً خيراً لأنفسكم.
هذا قول الكسائي والفرّاء فيكون ﴿ خيراً ﴾ اسم تفضيل.
وأصله : أَخْير، وهو محذوف الهمزة لكثرة الاستعمال، أي الإِنفاق خير لكم من الإِمساك.
وعن سيبويه أنه منصوب على أنه مفعول به لفعل مضمر دل عليه ﴿ أنفقوا ﴾.
والتقدير : ائتوا خيراً لأنفسكم.
وجملة ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ تذييل.
و﴿ مَن ﴾ اسم شرط وهي من صيغ العموم : أي كل من يوق شحّ نفسه والعموم يدل على أن ﴿ من ﴾ مراد بها جنس لا شخص معين ولا طائفة، وهذا حب اقتضاه حرص أكثر الناس على حفظ المال وادخاره والإِقلاللِ من نفع الغير به وذلك الحرص يسمى الشح.
والمعنى : أن الإِنفاق يقي صاحبه من الشحّ المنهي عنه فإذا يُسر على المرء الإِنفاق فيما أمر الله به فقد وُقي شُحّ نفسه وذلك من الفلاح.


الصفحة التالية
Icon