ولما كان ذلك فلاحاً عظيماً جيء في جانبه بصيغة الحصر بطريقة تعريف المسند، وهو قصر جنس المفلحين على جنس الذين وُقُوا شحّ أنفسهم، وهو قصر ادعائي للمبالغة في تحقق وصف المفلحين الذين وقُوا شحّ أنفسهم نزّل الآن فلاح غيرهم بمنزلة العدم.
وإضافة ﴿ شح ﴾ إلى النفس للإِشارة إلى أن الشح من طباع النفس فإن النفوس شحيحة بالأشياء المحببة إليها قال تعالى :﴿ وأحضرت الأنفس الشحّ ﴾ [ النساء : ١٢٨ ].
وفي الحديث لما سئل رسول الله ﷺ عن أفضل الصدقة قال :" أن تَصدَّق وأنت صحيح شَحِيح تخشى الفقر وَتَأَمُل الغنى.
وأنْ لا تَدعَ حتى إذا بلغت الحلقومَ قلتَ لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان " وتقدم نظيره ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ في سورة [ الحشر : ٩ ].
إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)
استئناف بياني ناشىء عن قوله :﴿ وأنفقوا خيراً لأنفسكم ﴾ [ التغابن : ١٦ ]، فإن مضاعفة الجزاء على الإِنفاق مع المغفرة خير عظيم، وبهذا الموقع يعلم السامع أن القرض أطلق على الإِنفاق المأمور به إطلاقاً بالاستعارة، والمقصود الاعتناء بفضل الإِنفاق المأمور به اهتماماً مكرراً فبعد أن جُعل خيراً جُعل سببَ الفلاح وعُرف بأنه قرض من العبد لربّه وكفى بهذا ترغيباً وتلطفاً في الطلببِ إذ جُعل المنفق كأنه يعطي الله تعالى مالاً وذلك من معنى الإِحسان في معاملة العبد ربّه وقد بينه النبي ﷺ في حديث جبريل إذ قال جبريل للنبيء عليهما الصلاة والسّلام : أخبرني عن الإِحسان فقال النبي ﷺ "الإِحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" فمما ينضوي تحت معنى عبادة الله عبادةَ من يراه أن يستشعر العبدُ أن امتثال أمر ربه بالإِنفاق المأمور به منه كأنه معاملة بين مُقرض ومستقرض.


الصفحة التالية
Icon