قال الفخر :
اعلم أن قوله تعالى :﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ يقتضي الوجوب على ما بيناه، أما قوله :﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ فليس المراد منه معاينة الموت، لأن في ذلك الوقت يكون عاجزاً عن الإيصاء ثم ذكروا في تفسيره وجهين الأول : وهو اختيار الأكثرين أن المراد حضور أمارة الموت، وهو المرض المخوف وذلك ظاهر في اللغة، يقال فيمن يخاف عليه الموت : إنه قد حضره الموت كما يقال لمن قارب البلد إنه قد وصل والثاني : قول الأصم أن المراد فرض عليكم الوصية في حالة الصحة بأن تقولوا : إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا قال القاضي : والقول الأول أولى لوجهين أحدهما : أن الموصي وإن لم يذكر في وصيته الموت جاز والثاني : أن ما ذكرناه هو الظاهر، وإذا أمكن ذلك لم يجز حمل الكلام على غيره.
أما قوله ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ فلا خلاف أنه المال ههنا والخير يراد به المال في كثير من القرآن كقوله :﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة : ٢٧٢] ﴿وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير﴾ [العاديات : ٨] ﴿مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وإذا عرفت هذا فنقول : ههنا قولان : أحدهما : أنه لا فرق بين القليل والكثير، وهو قول الزهري، فالوصية واجبة في الكل، واحتج عليه بوجهين :﴿الاول﴾ أن الله تعالى أوجب الوصية فيما إذا ترك خيراً، والمال القليل خير، يدل عليه القرآن والمعقول، أما القرآن فقوله تعالى :﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة : ٧ ٨] وأيضاً قوله تعالى :﴿لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص : ٢٤] وأما المعقول فهو أن الخير ما ينتفع به، والمال القليل كذلك فيكون خيراً.


الصفحة التالية
Icon