ولما كان المطيع منا قد يخل ببعض المأمور به في ذاته بنقص ركن أو شرط أو وقت لنسيان، أو نوم ونحوه أو بترك مندوب ونحوه أو ما في معناه بوسوسة أو حديث نفس ونحوه يقصر عن إيقاعه على أعلى الدرجات كما قال ـ ﷺ ـ فيما أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو ـ رضى الله عنهما ـ والطيالسي عن ثوبان ـ رضى الله عنه ـ :" استقيموا ولن تحصوا " قال نافياً لذلك عنهم :﴿ويفعلون﴾ أي مجددين مع كل أمر على سبيل الاستمرار ﴿ما يؤمرون﴾ أي ما يقع لهم الأمر به في أي وقت كان من غير نقص ما، وبني الفعل لما لم يسم فاعله كناية عن سهولة انقيادهم وإشارة إلى أن الذي أمرهم معلوم أنه الله سبحانه وتعالى.
ولما كان النبي ـ ﷺ ـ أعظم من أريد بأمر الأمة بالتأدب معه فكان تعمد الإخلال بالأدب معه كفراً، علم أن هذه النار لأولئك فعلم أن التقدير : يقولون :﴿يا أيها الذين كفروا﴾ أي بالإخلال بالأدب في النبي ـ ﷺ ـ فأداهم ذلك إلى الإخلال بالأدب مع الله وبالأدب مع سائر خلقه ﴿لا تعتذروا﴾ أي تبالغوا في إظهار العذر وهو إيساع الحيلة في وجه يزيل ما ظهر من التقصير ﴿اليوم﴾ فإنه يوم الجزاء لا يوم الاعتذار، وقد فات زمان الاعتذار، وصار الأمر إلى ما صار، وإذا نهى عن المبالغة في الاعتذار لعدم نفعها كان النهي عن مطلقه من باب الأولى، وهذا قطع لرجائهم وإيجاب لباسهم ليعظم همهم وتنقطع قلوبهم لأن معناه أن الاعتذار لا ينفعكم وإن بالغتم فيه، ولذلك استأنف قوله على سبيل الحصر :﴿إنما تجزون﴾ أي في هذا اليوم ﴿ما كنتم﴾ أي بما هو لكم كالجبلة والطبع ﴿تعملون﴾ أي على سبيل الإصرار ولا بعد على الله في أن يصور لكل إنسان صورة عمله بحيث لا يشك أنها عمله، ثم يجعل تلك الصورة عذابه الذي يجد فيه من الألم ما علم سبحانه أنه بمقدار استحقاقه. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٨ صـ ٥١ ـ ٥٣﴾


الصفحة التالية
Icon