والمكظوم : المحبوس المسدود عليه يقال : كظم الباب أغلقَه وكظَم النهر إذا سده، والمعنى : نادى في حال حبسه في بطن الحوت.
وجيء بهذه الحال جملة اسمية لدلالتها على الثبات، أي هو في حبس لا يرجى لمثله سراح، وهذا تمهيد للامتنان عليه بالنجاة من مثل ذلك الحبس.
وقوله :﴿ لولا أن تداركه نعمة من ربّه لَنُبذ بالعراء ﴾ إلخ استئناف بياني ناشىء عن مضمون النهي من قوله :﴿ ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى ﴾ إلخ لأنه يتضمن التحذير من الوقوع في كرب من قبيل كرب يونس ثم لا يدري كيف يكون انفراجه.
و﴿ أنْ ﴾ يجوز أن تكون مخففة من ( أنَّ )، واسمها ضمير شأن محذوف، وجملة ﴿ تداركه نعمة من ربّه ﴾ خبرها.
ويجوز أن تكون مصدرية، أي لولا تدارك رحمة من ربّه.
والتدارك : تفاعل من الدرَك بالتحريك وهو اللحاق، أي أن يلحق بعضُ السائرين بعضاً وهو يقتضي تسابقهم وهو هنا مستعمل في مبالغة إدراك نعمة الله إياه.
والنبذ : الطرح والترك.
والعراء ممدوداً : الفضاء من الأرض الذي لا نبات فيه ولا بناء.
والمعنى : لنبذهُ الحوت أو البحر بالفضاء الخالي لأن الحوت الذي ابتلعه من النوع الذي يُرضع فراخه فهو يقترب من السواحل الخالية المترامية الأَطراف خوفاً على نفسه وفراخه.
والمعنى : أن الله أنعم عليه بأن أنبت عليه شجرة اليقطين كما في سورة الصافات.
وأُدمج في ذلك فضل التوبة والضراعة إلى الله، وأنه لولا توبته وضراعته إلى الله وإنعام الله عليه نعمة بعدَ نعمة لقذفه الحوت من بطنه ميتاً فأخرجه الموج إلى الشاطىء فلكان مُثْلة للناظرين أو حيّاً منبوذاً بالعراء لا يجد إسْعافاً، أو لَنجا بعد لأي والله غاضب عليه فهو مذموم عند الله مسخوط عليه.
وهي نعم كثيرة عليه إذ أنقذه من هذه الورطات كلها إنقاذاً خارقاً للعادة.
وهذا المعنى طوي طياً بديعاً وأشير إليه إشارة بليغة بجملة { لولا أن تداركه نعمة من ربّه لنبذ بالعراء وهو مذموم.


الصفحة التالية
Icon