وطريقة المفسرين في نشر هذا المطوي أن جملة وهو مذموم } في موضع الحال وأن تلك الحال قيد في جواب ﴿ لَولا ﴾، فتقدير الكلام : لولا أن تداركه نعمة من ربّه لنبذ بالعراء نبذاً ذميماً، أي ولكن يونس نبذ بالعراء غيرَ مذموم.
والذي حملهم على هذا التأويل أن نبذه بالعراء واقع فلا يستقيم أن يكون جواباً للشرط لأن ﴿ لولا ﴾ تقتضي امتناعاً لوُجودٍ، فلا يكون جوابها واقعاً فتعين اعتبار تقييد الجواب بجملة الحال، أي انتفى ذمه عند نبذه بالعراء.
ويلوح لي في تفصيل النظم وجه آخر وهو أن يكون جواب ﴿ لولا ﴾ محذوفاً دل عليه قوله ﴿ وهو مكظوم ﴾ مع ما تفيده صيغة الجملة الاسمية من تمكن الكظم كما علمت آنفاً، فتلك الحالة إذا استمرت لم يحصل نبذه بالعراء، ويكون الشرط بـ ﴿ لولا ﴾ لاحقاً لجملة ﴿ إذ نادى وهو مكظوم ﴾، أي لبقي مكظوماً، أي محبوساً في بطن الحوت أبداً، وهو معنى قوله في سورة الصافات ( ١٤٣ ١٤٤ ) ﴿ فلولا أنه كان من المسبّحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ﴾، وتجعل جملة ﴿ لَنُبِذ بالعراء وهو مذموم ﴾ استئنافاً بيانياً ناشئاً عن الإِجمال الحاصل من موقع ﴿ لَولا ﴾.
واللام فيها لام القسم للتحقيق لأنه خارق للعادة فتأكيده لرفع احتمال المجاز.
والمعنى : لقد نبذ بالعراء وهو مذموم.
والمذموم : إمّا بمعنى المذنب لأن الذنب يقتضي الذمَّ في العاجل والعقاب في الآجل، وهو معنى قوله في آية الصافات ( ١٤٢ ) ﴿ فالتقمه الحوت وهو مُليم ﴾ وإِمّا بمعنى العيب وهو كونه عارياً جائعاً فيكون في معنى قوله :﴿ فنبذناه بالعراء وهو سقيم ﴾ [ الصافات : ١٤٥ ] فإن السقم عيب أيضاً.
وتنكير ﴿ نعمة ﴾ للتعظيم لأنها نعمة مضاعفة مكررة.
وفرع على هذا النفي الإِخبار بأن الله اجتباه وجعله من الصالحين.


الصفحة التالية
Icon