﴿ فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبّهِمْ ﴾ أي فعَصَى كلُّ أُمَّةٍ رسولَهَا حينَ نَهَوهُم عمَّا كانُوا يتعاطونَهُ من القبائحِ ﴿ فَأَخَذَهُمْ ﴾ أي الله عزَّ وجَلَّ ﴿ أَخْذَةً رَّابِيَةً ﴾ أي زائدةً في الشدةِ كما زادتْ قبائحُهُم في القبحِ من رَبَا الشيءُ إذَا زادَ. ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَا الماء ﴾ بسببِ إصرارِ قومِ نوحٍ على فنونِ الكفرِ والمعاصِي ومبالغتِهِم في تكذيبِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فيما أوحَى إليهِ من الأحكامِ التي من جُمْلَتِهَا أحوالُ القيامةِ. ﴿ حملناكم ﴾ أي في أصلابِ أبائِكُم ﴿ فِى الجارية ﴾ في سفينةِ نوحٍ عليهِ السَّلامُ والمرادُ بحملِهِم فيها رفعُهُم فوقَ الماءِ إلى انقضاءِ أيامِ الطُّوفانِ، لا مجردُ رفعِهِم إلى السفينةِ كما يُعربُ عنهُ كلمةُ في فإنَّها ليستْ بصلةٍ للحملِ بلْ متعلقةٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من مفعولِهِ أي رفعناكُم فوقَ الماءِ وحفظناكُم حالَ كونِكُم في السفينةِ الجاريةِ بأمرِنَا وحفظِنَا، وفيه تنبيهٌ على أنَّ مدارَ نجاتِهِم محضُ عصمتِهِ تعالى إنَّما السفينةُ سببٌ صُوريٌّ ﴿ لِنَجْعَلَهَا ﴾ أي لنجعلَ الفعلةَ التي هي عبارةٌ عن إنجاءِ المؤمنينَ وإغراقِ الكافرينَ. ﴿ لَكُمْ تَذْكِرَةً ﴾ عبرةً ودلالةً على كمالِ قُدرةِ الصَّانعِ وحكمتِهِ وقوةِ قهرِهِ وسعةِ رحمَتِهِ ﴿ وَتَعِيَهَا ﴾ أي تحفظُهَا والوعيُ أنْ تحفظَ الشيءَ في نفسِكَ والإيعاءُ أن تحفظَهُ في غيرِ نفسِكَ من وعاءٍ وقُرِىء تَعْيها بسكونِ العينِ تشبيهاً له بكتفٍ. ﴿ أُذُنٌ واعية ﴾ أي أذنٌ من شأنِهَا أنْ تحفظَ ما يجبُ حفظُهُ بتذكرِهِ وإشاعَتِهِ والتفكرِ فيهِ ولا تضيعُهُ بتركِ العملِ بهِ. والتنكيرُ للدلالةِ على قلَّتِهَا وأنَّ مَن هَذا شأنُه مَع قلتِهِ يتسببُ لنجاةِ الجمِّ الغفيرِ وإدامةِ نسلِهِم. وقُرِىءَ أُذْنٌ بالتخفيفِ. ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِى الصور نَفْخَةٌ واحدة ﴾ شروعٌ في بيانِ نفسِ الحاقَّةِ وكيفيةِ وقوعِهَا


الصفحة التالية
Icon