وهذا الخبر مستعمل كناية عن استعداده للحساب بتقديم الإِيمان والأعمال الصالحة مما كان سبب سعادته.
وجملة إني ظننت أني ملاق حسابيه } في موقع التعليل للفرح والبهجة التي دل عليها قوله :﴿ هاؤم اقرأُوا كتابيهْ ﴾ وبذلك يكون حرف ( إنَّ ) لمجرد الاهتمام وإفادة التسبب.
وموقع ﴿ فهو في عيشة راضية ﴾ موقع التفريع على ما تقدم من إيتائه كتابه بيمينه وما كان لذلك من أثر المسرة والكرامة في المحشر، فتكون الفاء لتفريع ذكر هذه الجملة على ذكر ما قبلها.
ولك أن تجعلها بدل اشتمال من جملة ﴿ فيقول هاؤم اقرأُوا كتابيه ﴾ فإن ذلك القول اشتمل على أن قائله في نعيم كما تقدم وإعادة الفاء مع الجملة من إعادة العامل في المبدل منه مع البدل للتأكيد كقوله تعالى :﴿ تكون لنا عيداً لأوَّلنا وآخرنا ﴾ [ المائدة : ١١٤ ].
والعيشة : حالة العيش وهيئته.
ووصف ﴿ عيشة بـ راضية ﴾ مجاز عقلي لِملابسة العيشة حالةَ صاحبها وهو العائش ملابسة الصفةِ لموصوفها.
والراضي : هو صاحب العيشة لا العِيشة، لأن ﴿ راضية ﴾ اسم فاعل رضيَت إذا حصل لها الرضى وهو الفرح والغبطة.
والعيشة ليست راضية ولكنها لحسنها رَضي صاحبها، فوصفُها بـ ﴿ راضية ﴾ من إسناد الوصف إلى غير ما هو له وهو من المبالغة لأنه يدل على شدة الرضى بسببها حتى سرى إليها، ولذلك الاعتبار أرجع السكاكي ما يسمى بالمجاز العقلي إلى الاستعارة المكنية كما ذُكر في عالم البيان.
و﴿ في ﴾ للظرفية المجازية وهي الملابسة.
وجملة ﴿ في جنة عالية ﴾ بدل اشتمال من جملة { فهو في عيشة راضية.
والعلوّ : الارتفاع وهو من محاسن الجنّات لأن صاحبها يشرف على جهات من متسع النظر ولأنه يبدو له كثير من محاسن جنته حين ينظر إليها من أعلاها أو وسطها مما لا يَلوح لنظره لو كانت جنته في أرض منبسطة، وذلك من زيادة البهجة والمسرة، لأن جمال المناظر من مسرات النفس ومن النعم، ووقع في شعر زهير: