كأن عينيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَة...
من النواضح تسقِي جَنَّة سُحُقاً
فقد قال أهل اللغة : يجوز أن يكون سُحُقاً، نعتاً للجنة بدون تقدير كما قالوا : ناقةُ عُلُط وامرأة عُطُل.
ولم يعرجوا على معنى السَّحَق فيها وهو الارتفاع لأن المرتفع بعيد، وقالوا : سَحُقت النخلة ككرم إذا طالت.
وفي القرآن ﴿ كمثَل جنة بربْوة ﴾ [ البقرة : ٢٦٥ ].
وجوزوا أن يراد أيضاً بالعلو علوّ القدر مثل فلان ذو درجة رفيعة، وبذلك كان للفظ ﴿ عالية ﴾ هنا ما ليس لقوله :﴿ كمثل جنة بربوة ﴾ لأن المراد هنالك جنة من الدنيا.
والقُطوف : جمع قِطْف بكسر القاف وسكون الطاء، وهو الثمر، سمي بذلك لأنه يُقطف وأصله فِعل بمعنى مَفعول مثل ذِبْح.
ومعنى دُنوها : قربها من أيدي المتناولين لأن ذلك أهنأ إذ لا كلفة فيه، قال تعالى :﴿ وذُلِّلتْ قطوفُها تذليلاً ﴾ [ الإنسان : ١٤ ].
وجملة ﴿ كلوا واشربوا ﴾ إلى آخرها مقول قول محذوف وهو ومقوله في موضع صفة ل ﴿ جنة ﴾ إذ التقدير : يقال للفريق الذين يُؤتَون كتبهم بأيمانهم حين يستقرون في الجنة :﴿ كلوا واشربوا ﴾ الخ.
ويجوز أن تكون الجملة خبراً ثانياً عن الضمير في قوله :﴿ فهو في عيشة راضية.
وإنما أفردت ضمائر الفريق الذي أوتي كتابه بيمينه فيما تقدم ثم جاء الضمير ضمير جمع عند حكاية خطابهم لأن هذه الضمائر السابقة حُكيت معها أفعال مما يتلبس بكل فرد من الفريق عند إتمام حسابه.
وأما ضمير كلوا واشربوا ﴾ فهو خطاب لجميع الفريق بعد حلولهم في الجنة، كما يدخل الضيوف إلى المأدبة فيُحيّي كل داخل منهم بكلام يخصه فإذا استقروا أقبل عليهم مضيِّفهم بعبارات الإِكرام.
و﴿ هنيئاً ﴾ يجوز أن يكون فعيلاً بمعنى فاعل إذا ثبت له الهناء فيكون منصوباً على النيابة عن المفعول المطلق لأنه وصفه وإسناد الهناء للأكل والشرب مجاز عقلي لأنهما متلبسان بالهناء للآكِللِ والشارب.
ويجوز أن يكون اسم فاعل من غير الثلاثي بوزن ما للثلاثي.