وهذه دقيقة من إعجاز القرآن بأن يكون الإِدبار مراداً به إدبارَ غير تَول، أي إدباراً من أول وهلة، ويكون التولي مراداً به الإِعراض بعد ملابسة، ولذلك يكون الإِدبار مستعاراً لعدم قبول القرآن ونفي استماع دعوة الرسول ﷺ وهو حال الذين قال الله فيهم :﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ [ فصلت : ٢٦ ]، والتولي مستعار للإِعراض عن القرآن بعد سماعه وللنفور عن دعوة الرسول كما قال تعالى :﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلاّ أساطير الأولين ﴾ [ الأنفال : ٣١ ] وكلا الحالين حال كفر ومحقة للعقاب وهما مجتمعتان في جميع المشركين.
والمقصود من ذكرهما معاً تفظيع أصحابهما، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون متعلِّق ﴿ أدبر وتولى ﴾ متّحداً يتنازعه كلا الفعلين، ويقدر بنحو : عن الحق، وفي "الكشاف" : أدبر عن الحق وتولى عنه، إذ العبرة باختلاف معنيي الفعلين وإن كان متعلقهما متحداً.
ويجوز أن يقدر لكل فعل متعلِّقٌ هو أشد مناسبة لمعناه، فقدر البيضاوي : أدبر عن الحق وتولى عن الطاعة، أي لم يقبل الحق وهو الإِيمان من أصله، وأعرض عن طاعة الرسول بعد سماع دعوته.
وعن قتادة عكسه : أدبر عن طاعة الله وتولى عن كتاب الله وتبعه الفخر والنيسابوري.
والجمع والإِيعاء في قوله :﴿ وجمع فأوعى ﴾ مرتب ثانيهما على أولهما، فيدل ترتب الثاني على الأول أن مفعول ﴿ جمع ﴾ المحذوف هو شيء مما يوعى، أي يُجعل في وعاء.
والوعاء : الظرف، أي جمع المال فكنزه ولم ينفع به المحَاويج، ومنه جاء فعل ﴿ أوعى ﴾ إذا شحّ.
وفي الحديث :" ولا تُوعي فيُوعَى عليك "
وفي قوله :﴿ جمَع ﴾ إشارة إلى الحرص، وفي قوله :﴿ فأوعى ﴾ إشارة إلى طول الأمل.
وعن قتادة ﴿ جمع فأوعى ﴾ كان جَمُوعاً للخبيث، وهذا تفسير حسن، أي بأن يُقدَّر ل ﴿ جمع ﴾ مفعول يدل عليه السياق، أي وزاد على إدباره وتوليه أنه جمع الخبائث.


الصفحة التالية
Icon