وأنا أقول : حصل للجن علم جديد بذلك بإلهام من الله لأدلة كانوا لا يشعرون بها إذ لم يكونوا مطالبين بمعرفتها، وأن فهمهم للقرآن من قبيل الإِلهام خلقه الله فيهم على وجه خرق العادة كرامة للرسول ﷺ وللقرآن.
والإِيمان بالقرآن يقتضي الإِيمان بمن جاء به وبمن أنزله ولذلك قالوا ﴿ ولن نشرك بربنا أحداً.
وقد حصل لهؤلاء النفر من الجن شرف المعرفة بالله وصفاته وصِدق رسوله وصدق القرآن وما احتوى عليه مَا سَمعوه منه فصاروا من خيرة المخلوقات، وأُكرموا بالفوز في الحياة الآخرة فلم يكونوا ممن ذَرْأَ الله لجهنم من الجن والإِنس.
ومتعلق استمع ﴾ محذوف دل عليه قوله بعده ﴿ فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً.
والرشْد ﴾ : بضم الراء وسكون الشين ( أو يقال بفتح الراء وفتح الشين ) هو الخير والصواب والهدى.
واتفقت القراءات العشر على قراءته بضم فسكون.
وقولهم :﴿ ولن نشرك بربنا أحداً، ﴾ أي ينتفي ذلك في المستقبل.
وهذا يقتضي أنهم كانوا مشركين ولذلك أكدوا نفي الإِشراك بحرف التأبيد فكما أكد خبرهم عن القرآن والثناء عليه بـ ( إن ) أكد خبرهم عن إقلاعهم عن الإِشراك بـ ﴿ لن ﴾.
وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)
هذا محكي عن كلام الجن، قرأه الجمهور بكسر همزة ﴿ إنه ﴾ على اعتباره معطوفاً على قولهم :﴿ إنَّا سمعنا قرآنا عجباً ﴾ [ الجن : ١ ] إذ يجب كسر همزة ( إنَّ ) إذا حكيت بالقول.
وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وأبو جعفر وخلف بفتح الهمزة على أنه معطوف على الضمير المجرور بالباء في قوله :﴿ فآمنَّا به ﴾ [ الجن : ٢ ] أي وآمنا بأنه تعالى جَد ربنا.
وعدم إعادة الجار مع المعطوف على المجرور بالحرف مستعمل، وجوزه الكوفيون، على أن حرف الجر كثير حذفه مع ( أنّ ) فلا ينبغي أن يختلف في حذفه هنا على هذا التأويل.