ورَوى أبو هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :" سأل موسى ربه فقال : أي ربِّ، أيّ عبادك أفقر؟ قال صاحب سَقَر " ذكره الثعلبيّ :﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴾ ؟ هذه مبالغة في وصفها ؛ أي وما أعلمك أي شيء هي؟ وهي كلمة تعظيم، ثم فسّر حالها فقال :﴿ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ ﴾ أي لا تترك لهم عظماً ولا لحماً ولا دماً إلا أحرقته.
وكرر اللفظ تأكيداً.
وقيل : لا تبْقي منهم شيئاً، ثم يعادون خلقاً جديداً، فلا تذر أن تعاود إحراقهم هكذا أبداً.
وقال مجاهد : لا تبقي مَنْ فيها حيًّا ولا تذره ميّتاً، تحرقهم كلما جُدّدُوا.
وقال السُّديّ : لا تبقي لهم لحماً ولا تذر لهم عظماً ﴿ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ﴾ أي مُغَيِّرة، من لاحه إذا غيّره.
وقراءة العامة "لَوَّاحَةٌ" بالرفع نعت ل "سَقَرَ".
في قوله :﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴾.
وقرأ عطية العوفيّ ونصر بن عاصم وعيسى بن عمر "لَوَّاحَةً" بالنصب على الاختصاص، للتهويل.
وقال أبو رَزِين : تلفح وجوههم لَفْحة تدعها أشدّ سواداً من الليل ؛ وقاله مجاهد.
والعرب تقول : لاحه البَرْد والحرُّ والسُّقم والحُزْن : إذا غيّره ؛ ومنه قول الشاعر :
تَقولُ ما لاَحَك يا مُسافِرُ...
يَا بْنةَ عَمَّي لاحَنِي الْهَواجِرُ
وقال آخر :
وتَعجبُ هِنْدٌ أَنْ رَأَتْنِي شاحِباً...
تقول لِشَيْءٍ لَوَّحَتْه السَّمائم
وقال رُؤبة بن العجَّاج :
لوَّحَ منه بعدَ بُدْنٍ وسَنَقْ...
تَلْويحَكَ الضَّامِرَ يُطْوَى لِلسَّبَقْ
وقيل : إن اللوح شدة العطش ؛ يقال : لاحه العطش ولوَّحه أي غيّره.
والمعنى أنها معطَّشة للبشر أي لأهلها ؛ قاله الأخفش، وأنشد :
سَقْتنِي على لَوْحٍ منَ الماء شَرْبَةً...
سقاها بها اللَّهُ الرِّهامَ الغَواديا
يعني باللّوح شدّة العطش، والتاح أي عَطِش.
والرِّهام جمع رهمة بالكسر وهي المطرة الضعيفة وأرهمت السحابة أتت بالرِّهام.