المراد من هداية السبيل خلق الدلائل، وخلق العقل الهادي وبعثة الأنبياء وإنزال الكتب، كأنه تعالى قال : خلقتك للابتلاء ثم أعطيتك كل ما تحتاج إليه ليهلك من هلك عن بينة وليس معناه خلقنا الهداية، ألا ترى أنه ذكر السبيل، فقال :﴿هديناه السبيل﴾ أي أريناه ذلك.
المسألة الرابعة :
قال الفراء : هديناه السبيل، وإلى السبيل وللسبيل، كل ذلك جائز في اللغة.
قوله تعالى :﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى :
في الآية أقوال :
الأول : أن شاكر أو كفوراً حالان من الهاء، في هديناه السبيل، أي هديناه السبيل كونه شاكراً وكفوراً، والمعنى أن كل ما يتعلق بهداية الله وإرشاده، فقد تم حالتي الكفر والإيمان.
والقول الثاني : أنه انتصب قوله شاكراً وكفوراً بإضمار كان، والتقدير سواء كان شاكراً أو كان كفوراً.
والقول الثالث : معناه إنا هديناه السبيل، ليكون إما شاكراً وإما كفوراً أي ليتميز شكره من كفره وطاعته من معصيته كقوله :﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [ هود : ٧ ] وقوله :﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ﴾ [ العنكبوت : ٣ ] وقوله :﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَ أخباركم﴾ [ محمد : ٣١ ] قال القفال : ومجاز هذه الكلمة على هذا التأويل قول القائل، قد نصحت لك إن شئت فأقبل، وإن شئت فاترك، أي فإن شئت فتحذف الفاء فكذا المعنى : إنا هديناه السبيل فإما شاكراً وإما كفوراً، فتحذف الفاء وقد يحتمل أن يكون ذلك على جهة الوعيد أي إنا هديناه السبيل فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر، فإنا قد أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا، كقوله :﴿وَقُلِ الحق مِن رَّبّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ [ الكهف : ٢٩ ].


الصفحة التالية
Icon