ثم لما عَرَّف الله الملائكة أنه جعل آدم خليفة، وحمَّله الأمانة التي عجز عنها السموات والأرض والجبال، ظهر فضله على الكل، فصار مذكوراً.
قال القُشيريّ : وعلى الجملة ما كان مذكوراً للخلق، وإن كان مذكوراً لله.
وحكى محمد ابن الجهم عن الفراء :"لَمْ يَكُنْ شَيْئاً" قال : كان شيئاً ولم يكن مذكوراً.
وقال قوم : النفي يرجع إلى الشيء ؛ أي قد مضى مُدَد من الدهر وآدم لم يكن شيئاً يذكر في الخليقة ؛ لأنه آخر ما خلقه من أصناف الخليقة، والمعدوم ليس بشيء حتى يأتي عليه حين.
والمعنى : قد مضت عليه أزمنة وما كان آدم شيئاً ولا مخلوقاً ولا مذكوراً لأحد من الخليقة.
وهذا معنى قول قتادة ومقاتل : قال قتادة : إنما خلق الإنسان حديثاً ما نعلم من خليقة الله جل ثناؤه خليقة كانت بعد الإنسان.
وقال مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره : هل أتى حين من الدهر لم يكن الإنسان شيئاً مذكوراً ؛ لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق بعده حيواناً.
وقد قيل :"الإنسان" في قوله تعالى :﴿ هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ ﴾ عُنِيَ به الجنس من ذرّية آدم، وأن الحين تسعة أشهر، مدّة حمل الإنسان في بطن أمه ﴿ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ﴾ : إذ كان علقة ومضغة ؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له.
وقال أبو بكر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية : ليتها تَمَّت فلا نُبْتَلى.
أي ليت التي أتت على آدم لم تكن شيئاً مَذْكُوراً تَمَّت على ذلك، فلا يلد ولا يُبْتَلى أولادُه.
وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يقرأ ﴿ هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ﴾ فقال ليتها تَمَّت.
قوله تعالى :﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان ﴾ أي ابن آدم من غير خلاف ﴿ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ أي من ماء يقطُر وهو المنيّ، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة ؛ كقول عبد الله بن رواحة يعاتب نفسه :
مالي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ...


الصفحة التالية
Icon