وقال الشوكانى فى الآيات السابقة :
قوله :﴿ عَمَّ يَتَسَاءلُونَ ﴾
أصله : عن ما، فأدغمت النون في الميم ؛ لأن الميم تشاركها في الغنة، كذا قال الزجاج، وحذفت الألف ؛ ليتميز الخبر عن الاستفهام، وكذلك فيم وممّ ونحو ذلك، والمعنى : عن أيّ شيء يسأل بعضهم بعضاً.
قرأ الجمهور :﴿ عمّ ﴾ بحذف الألف لما ذكرنا، وقرأ أبيّ، وابن مسعود، وعكرمة، وعيسى بإثباتها، ومنه قول الشاعر :
علاما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرغ في دمان
ولكنه قليل لا يجوز إلاّ للضرورة، وقرأ البزي بهاء السكت عوضاً عن الألف، وروى ذلك عن ابن كثير.
قال الزجاج : اللفظ لفظ استفهام، والمعنى : تفخيم القصة كما تقول : أيّ شيء تريد : إذا عظمت شأنه.
قال الواحدي : قال المفسرون : لما بعث رسول الله ﷺ، وأخبرهم بتوحيد الله، والبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن، جعلوا يتساءلون بينهم يقولون : ماذا جاء به محمد، وما الذي أتى به؟ فأنزل الله :﴿ عَمَّ يَتَسَاءلُونَ ﴾ قال الفرّاء : التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضاً كالتقابل، وقد يستمعل أيضاً في أن يتحدّثوا به، وإن لم يكن بينهم سؤال.
قال الله تعالى :﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ﴾ [ الطور : ٢٥ ] ﴿ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ ﴾ [ الصافات : ٥١ ] الآية، وهذا يدل على أنه التحدّث، ولفظ " ما " موضوع لطلب حقائق الأشياء، وذلك يقتضي كون المطلوب مجهولاً، فجعل الشيء العظيم الذي يعجز العقل عن أن يحيط بكنهه كأنه مجهول، ولهذا جاء سبحانه بلفظ " ما ".