ثم ذكر سبحانه تساؤلهم عن ماذا، وبينه فقال :﴿ عَنِ النبإ العظيم ﴾ فأورده سبحانه أوّلاً على طريقة الاستفهام مبهماً ؛ لتتوجه إليه أذهانهم، وتلتفت إليه أفهامهم، ثم بينه بما يفيد تعظيمه، وتفخيمه كأنه قيل : عن أيّ شيء يتساءلون هل أخبركم به؟ ثم قيل بطريق الجواب :﴿ عَنِ النبإ العظيم ﴾ على منهاج قوله :﴿ لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار ﴾ [ غافر : ١٦ ] فالجارّ والمجرور متعلق بالفعل الذي قبله، أو بما يدلّ عليه.
قال ابن عطية : قال أكثر النحاة : عن النبأ العظيم متعلق ب ﴿ يتساءلون ﴾ الظاهر، كأنه قال : لم يتساءلون عن النبأ العظيم، وقيل : ليس بمتعلق بالفعل المذكور ؛ لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام، فيكون التقدير أعن النبأ العظيم؟ فلزم أن يتعلق ب ﴿ يتساءلون ﴾ آخر مقدّر، وإنما كان ذلك النبأ، أي : القرآن عظيماً ؛ لأنه ينبىء عن التوحيد، وتصديق الرسول، ووقوع البعث والنشور.
قال الضحاك : يعني : نبأ يوم القيامة، وكذا قال قتادة.
وقد استدلّ على أن النبأ العظيم هو القرآن بقوله :﴿ الذى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ فإنهم اختلفوا في القرآن، فجعله بعضهم سحراً، وبعضهم شعراً، وبعضهم كهانة، وبعضهم قال : هو أساطير الأوّلين.
وأما البعث فقد اتفق الكفار إذ ذاك على إنكاره.
ويمكن أن يقال : إنه قد وقع الاختلاف في البعث في الجملة، فصدّق به المؤمنون، وكذب به الكافرون، فقد وقع الاختلاف فيه من هذه الحيثية، وإن لم يقع الاختلاف فيه بين الكفار أنفسهم على التسليم والتنزل، ومما يدلّ على أنه القرآن قوله سبحانه :﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ [ ص : ٦٧، ٦٨ ] ومما يدلّ على أنه البعث أنه أكثر ما كان يستنكره المشركون وتأباه عقولهم السخيفة.