وأيضاً، فطوائف الكفار قد وقع الاختلاف بينهم في البعث ؛ فأثبت النصارى المعاد الروحاني، وأثبتت طائفة من اليهود المعاد الجسماني، وفي التوراة التصريح بلفظ الجنة باللغة العبرانية بلفظ " جنعيذا " بجيم مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم عين مكسورة مهملة، ثم تحتية ساكنة، ثم ذال معجمة بعدها ألف.
وفي الإنجيل في مواضع كثيرة التصريح بالمعاد، وأنه يكون فيه النعيم للمطيعين، والعذاب للعاصين، وقد كان بعض طوائف كفار العرب ينكر المعاد كما حكى الله عنهم بقوله :﴿ إن هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نحن بمبعوثين ﴾ [ المؤمنون : ٣٧ ] وكانت طائفة منهم غير جازمة بنفيه بل شاكة فيه، كما حكى الله عنهم بقوله :﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ [ الجاثية : ٣٢ ] وما حكاه عنهم بقوله :﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى ﴾ [ فصلت : ٥٠ ] فقد حصل الاختلاف بين طوائف الكفر على هذه الصفة.
وقد قيل : إن الضمير في قوله :﴿ يتساءلون ﴾ يرجع إلى المؤمنين والكفار ؛ لأنهم جميعاً كانوا يتساءلون عنه، فأما المسلم، فيزداد يقيناً واستعداداً، وبصيرة في دينه، وأما الكافر فاستهزاء وسخرية.
قال الرازي : ويحتمل أنهم يسألون الرسول، ويقولون : ما هذا الذي يعدنا به من أمر الآخرة، والموصول في محل جرّ صفة للنبأ بعد وصفه بكونه عظيماً فهو متصف بالعظم ومتصف بوقوع الاختلاف فيه.
﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ ردع لهم وزجر، وهذا يدل على أن المختلفين فيه هم : الكفار، وبه يندفع ما قيل : إن الخلاف بينهم وبين المؤمنين فإنه إنما يتوجه الردع والوعيد إلى الكفار فقط، وقيل : كلاَّ بمعنى حقاً، ثم كرّر الردع والزجر فقال :﴿ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ للمبالغة في التأكيد والتشديد في الوعيد.
قرأ الجمهور بالياء التحتية في الفعلين على الغيبة.