قال ابن الأنباري : جعلنا نومكم قطعاً لأعمالكم ؛ لأن أصل السبت القطع، وقيل : أصله التمدّد، يقال سبتت المرأة شعرها : إذا حلته وأرسلته، ورجل مسبوت الخلق : أي : ممدوده، والرجل إذا أراد أن يستريح تمدّد، فسمي النوم سباتاً، وقيل المعنى : وجعلنا نومكم موتاً، والنوم أحد الموتتين، فالمسبوت يشبه الميت، ولكنه لم تفارقه الروح، ومنه قول الشاعر :
ومطوية الأقراب أما نهارها... فسبت وأما ليلها فذميل
ومن هذا قوله :﴿ الله يَتَوَفَّى الانفس حِينَ مِوْتِهَا والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ﴾ [ الزمر : ٤٢ ] الآية، وقوله :﴿ وَهُوَ الذى يتوفاكم باليل ﴾ [ الأنعام : ٦٠ ] ﴿ وَجَعَلْنَا اليل لِبَاساً ﴾ أي : نلبسكم ظلمته ونغشيكم بها كما يغشيكم اللباس.
وقال سعيد بن جبير والسديّ : أي سكناً لكم، وقيل : المراد به ما يستره عند النوم من اللحاف ونحوه، وهو بعيد ؛ لأن الجعل وقع على الليل، لا على ما يستتر به النائم عند نومه ﴿ وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً ﴾ أي : وقت معاش، والمعاش العيش، وكلّ شيء يعاش به فهو معاش، والمعنى : أن الله جعل لهم النهار مضيئاً ؛ ليسعوا فيما يقوم به معاشهم، وما قسمه الله لهم من الرزق ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ﴾ يريد سبع سماوات قوية الخلق محكمة البناء، ولهذا وصفها بالشدّة، وغلظ كلّ واحدة منها مسيرة خمسمائة عام، كما ورد ذلك.
﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً ﴾ المراد به : الشمس، وجعل هنا بمعنى : خلق، وهكذا قوله :﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ﴾ وما بعده ؛ لأن هذه الأفعال قد تعدّت إلى مفعولين، فلا بدّ من تضمينها معنى فعل يتعدّى إليهما كالخلق أو التصيير ونحو ذلك.
وقيل : إن الجعل بمعنى الإنشاء والإبداع في جميع هذه المواضع، والمراد به الإنشاء التكويني الذي بمعنى التقدير والتسوية.


الصفحة التالية
Icon