(وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً) أي إنا علمنا جميع ما عملوا علما ثابتا لا يعتريه تغيير ولا تحريف، فلا يمكنهم أن يجحدوا شيئا مما كانوا يصنعون فى الحياة الدنيا حين يرون ما أعد لهم من أنواع العقوبات، لأنا قد أحصينا ما فعلوه إحصاء لا يزول منه شىء ولا يغيب، وإن غاب عن أذهانهم ونسوه كما قال :« أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ »
وإنما قيل (كِتاباً) دون أن يقال (إحصاء) لأن الكتابة هى النهاية فى قوة العلم بالشيء، فإن من يريد أن يحصى كلام متكلم حتى لا يغيب منه شىء عمد إلى كتابته، فكأنه تعالى يقول :« وكل شيء أحصيناه إحصاء يساوى فى ثباته وضبطه ما يكتب ».
وبعد أن بين قبائح أفعالهم لكفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات - رتب عليه هذا الجزاء فقال :
(فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً) أي فذوقوا ما أنتم فيه من العذاب الأليم، فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه كما قال :« وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ ».
روى قتادة عن عبد اللّه بن عمرو أنه قال : لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية :« فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً ».
ذاك أن فيها تقريعا وتوبيخا لهم فى يوم الفصل، وغضبا من أرحم الراحمين، وتيئيسا لهم من الغفران. أ هـ ﴿تفسير المراغى حـ ٣٠ صـ ١٠ ـ ١٥﴾


الصفحة التالية
Icon