وقال ابن عاشور :
﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) ﴾
هذا بيان لما أجمله قوله :﴿ عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ﴾ [ النبأ : ٢ ٣ ] وهو المقصود من سياق الفاتحة التي افتتحت بها السورة وهيأتْ للانتقال مناسبة ذكر الإِخراج من قوله :﴿ لنخرج به حباً ونباتاً ﴾ [ النبأ : ١٥ ] الخ، لأن ذلك شُبه بإخراج أجساد الناس للبعث كما قال تعالى :﴿ فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ﴾ إلى قوله :﴿ كذلك الخروج ﴾ في سورة ق ( ٩ ١١ ).
وهو استئناف بياني أعقب به قوله :﴿ لنخرج به حباً ونباتاً ﴾ [ النبأ : ١٥ ] الآية فيما قصد به من الإِيماء إلى دليل البعث.
وأكد الكلام بحرف التأكيد لأن فيه إبطالاً لإِنكار المشركين وتكذيبهم بيوم الفصل.
ويومُ الفصل : يوم البعث للجزاء.
والفصل : التمييز بين الأشياء المختلطة، وشاع إطلاقه على التمييز بين المعاني المتشابهة والملتبسة فلذلك أطلق على الحكم، وقد يضاف إليه فيقال : فصل القضاء، أي نوع من الفصل لأن القضاء يميز الحق من الظلم.
فالجزاء على الأعمال فصل بين الناس بعضهم من بعض.
وأوثر التعبير عنه بيوم الفصل لإِثبات شيئين:
أحدهما : أنه بَيَّن ثبوت ما جحدوه من البعث والجزاء وذلك فصل بين الصدق وكذبهم.
وثانيهما : القضاء بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اعتدى به بعضهم على بعض.
وإقحام فعل ﴿ كان ﴾ لإِفادة أن توقيته متأصل في علم الله لِما اقتضته حكمته تعالى التي هو أعلم بها وأن استعجالهم به لا يقدّمه على ميقاته.
وتقدم ﴿ يوم الفصل ﴾ غير مرة أخراها في سورة المرسلات ( ١٤ ).
ووصف القرآن بالفصل يأتي في قوله تعالى :﴿ إنه لقول فصل ﴾ في سورة الطارق ( ١٣ ).
والميقات : مفعال مشتق من الوقت، والوقت : الزمان المحدَّد في عمل ما، ولذلك لا يستعمل لفظ وقت إلا مقيداً بإضافة أو نحوها نحو وقت الصلاة.


الصفحة التالية
Icon