وأدمج في ذلك منة عليه بالإمداد بالغذاء الذي به إخلاف ما يضمحل من قوته بسبب جهود العقل والتفكير الطبيعية التي لا يشعر بحصولها في داخل المزاج، وَبِسبب كد الأعمال البدنية والإِفرازات، وتلك أسباب لتبخر القوى البدنية فيحتاج المزاج إلى تعويضها وإخلافها وذلك بالطعام والشراب.
وإنما تعلق النظر بالطعام مع أن الاستدلال هو بأحوال تكوين الطعام، إجراءً للكلام على الإِيجاز ويبينه ما في الجمل بعده من قوله :﴿ إنا صببنا الماء صباً ﴾ إلى آخرها.
فالتقدير : فلينظر الإِنسان إلى خَلق طعامه وتهيئة الماء لإنمائه وشق الأرض وإنباته وإلى انتفاعه به وانتفاع مواشيه في بقاء حياتهم.
وقرأ الجمهور :﴿ إنا صببنا ﴾ بكسر همزة ( إنَّا ) على أن الجملة بيان لجملة :﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه ﴾ لتفصيل ما أجمل هنالك على وجه الإيجاز.
وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بفتح الهمزة على أنه اسم بدلُ اشتمال من ﴿ طعامه ﴾ أو البدلُ الذي يسميه بعض النحويين بدل مفصَّل من مجمل.
والصَّب : إلقاء صبرة متجمعة من أجزاء مائعة أو كالمائعة في الدقة في وعاء غير الذي كانت فيه، يقال : صَب الماء في الجَرة، وصب القَمح في الهَرِي، وصَبَّ الدراهم في الكِيس.
وأصله : صبّ الماء، مثل نزول المطر وإفراغ الدلو.
والشق : الإِبعاد بين ما كان متصلاً.
والمراد هنا شقّ سطح الأرض بخرق الماء فيه أو بآلة كالمحراث والمسحاة، أو بقوة حرّ الشمس في زمن الصيف لتتهيأ لقبول الأمطار في فصل الخريف والشتاء.
وإسناد الصّب والشق والإِنبات إلى ضمير الجلالة لأن الله مقدِّر نظام الأسباب المؤثرة في ذلك، ومُحْكِمُ نواميسها ومُلهمُ الناس استعمالها.
فالإسناد مجاز عقلي في الأفعال الثلاثة.
وقد شاع في ﴿ صببنا ﴾ و ﴿ أنبتنا ﴾ حتى ساوَى الحقيقة العقلية.