يري النبت يشق تربة الأرض شقا بقدرة الخالق ( سبحانه ) وينمو علي وجهها، ويمتد في الهواء فوقها.. وهو نحيل نحيل، والأرض فوقه ثقيلة ثقيلة. ولكن اليد المدبرة تشق له الأرض شقا، وتعينه علي النفاذ فيها وهو ناحل لين لطيف. وهي معجزة يراها كل من يتأمل انبثاق النبتة من التربة، ويحس من ورائه انطلاق القوة الخفية الكامنة في النبتة الرخية.
فأما حين تتقدم معارف الإنسان فقد يعن له مدي آخر من التصور في هذا النص، وقد يكون شق الأرض لتصبح صالحة للنبات أقدم بكثير مما نتصور. إنه قد يكون ذلك التفتت في صخور القشرة الأرضية بسبب الفيضانات الهائلة... ، وبسبب العوامل الجوية الكثيرة التي يفترض علماء اليوم أنها تعاونت لتفتيت الصخور الصلبة التي كانت تكسو وجه الأرض وتكون قشرتها، حتي وجدت طبقة الطمي الصالحة للزرع. وكان هذا أثرا من آثار الماء تاليا في تاريخه لصب الماء صبا، مما يتسق أكثر من هذا التتابع الذي تشير إليه النصوص.
وسواء كان هذا أم ذاك أم سواهما هو الذي حدث، وهو الذي تشير إليه الآيتان السابقتان فقد كانت المرحلة الثالثة في القصة هي النبات بكل صنوفه وأنواعه التي يذكر منها هنا أقربها للمخاطبين، وأعمها في طعام الناس والحيوان :( فأنبتنا فيها حبا ).. وهو يشمل جميع ما يأكله الناس في أية صورة من صوره، وما يتغذي به الحيوان في كل حالة من حالاته.( وعنبا وقضبا ).. والعنب معروف، والقضب هو كل ما يؤكل رطبا غضا من الخضر التي تقطع مرة بعد أخري ( وزيتونا ونخلا. وحدائق غلبا وفاكهة وأبا )... والزيتون والنخل معروفان لكل عربي، والحدائق جمع حديقة، وهي البساتين ذات الأشجار المثمرة المسورة بحوائط تحميها. و ( غلبا ) جمع غلباء أي ضخمة عظيمة ملتفة الأشجار. والفاكهة من ثمار الحدائق و ( الأب ) أغلب الظن أنه الذي ترعاه الأنعام....
* وجاء في صفوة البيان لمعاني