والجار محذوف على القياس متعلق ب ﴿ عبس ﴾ أو ب ﴿ تولى ﴾ على اختلاف في باب تنازع الفعلين للكوفيين والبصريين والتقدير : عبس لأن جاءه الأعمى وأعرض لذلك. يروى أنه ﷺ ما عبس بعدها في وجه فقير قط ولا تصدّى لغني. قال أهل المعاني : في الالتفات من الغيبة إلى الخطاب دلالة على مزيد الإنكار كمن يشكو جانياً بطريق الغيبة وهو حاضر ثم يقبل على الجاني مواجهاً بالتوبيخ. قالوا : وفي ذكر الأعمى نحو من الإنكار أيضاً لأن العمى يوجب العطف والرأفة عند ذوي الآداب غالباً لا التولي والعبوس، ولا يخفى أن نظر النبي ﷺ كان على أمر كلي هو رجاء إسلام قريش فإنه في الظاهر أهم من إجابة رجل أعمى على الفور إلا أنه سبحانه عدّ هذا الجزئي كلياً من جهة أخرى هي تطييب قلوب الفقراء والضعفاء وإهمال جانب أهل الغنى والثراء، فإن هذا أدخل في الإخلاص وابتغاء رضوان الله وذلك مظنة التهمة والرياء. يحكى عن سفيان الثوري أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء. وأيضاً فائدة الإرشاد والتعليم بالنسبة إلى هذا الأعمى أمر معلوم وبالنسبة إلى أولئك أمر موهوم لأنه جاء طالباً مسترشداً وأنهم جاءوا مستهزئين معاندين، وترك المعلوم للموهوم خارج عن طريق الاحتياط وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ وما يدريك لعله ﴾ لعل الأعمى ﴿ يزكى ﴾ عما لا ينبغي ﴿ أو يذكر ﴾ يتعظ ﴿ فتنفعه الذكرى ﴾ فيفعل ما ينبغي. وقيل : الضمير في ﴿ لعله ﴾ للكافر يعني أي شيء أدراك بحال كل من أولئك الكفرة حتى طمعت في تطهرهم من الأوزار وانتفاعهم بالاذكار. ثم زاد تصريحاً لما فعل قائلاً ﴿ أما من استغنى ﴾ أي بالمال. وقال عطاء : عن الإيمان. وقال الكلبي : أي عن الله. والأول أولى لأنهم كانوا أغنياء وما توجه الخطاب إلا من هذه الجهة وإن كان إسلامهم موهوماً ﴿ فأنت له تصدّى ﴾ تتعرض وأصله تتصدد من الصدد وهو ما استقبلك فصار قبالك ﴿ وما عليك ﴾ يحتمل أن تكون " ما " استفهامية


الصفحة التالية
Icon