﴿ إنا هديناه السبيل ﴾ [ الدهر : ٣ ] وأشار إلى المرتبة الأخيرة بقوله ﴿ ثم أماته فأقبره ﴾ أي جعله ذا قبر فيكون متعدياً إلى واحد، ويحتمل أن يكون الثاني محذوفاً أي فأقبره غيره. يقال : قبر الميت إذا دفنه بنفسه، وأقبر غيره الميت إذا أمره بدفنه، فالمراد أن الله سبحانه أمر بدفن الأموات الإنسية تكرمة لهم دون أن يطرحوا على وجه الأرض طعمة للسباع كسائر الحيوان ﴿ ثم ﴾ إن في كل هذه الانتقالات دلالات واضحة على أنه سبحانه ﴿ إذا شاء ﴾ أن ينشر الإنسان ببعثه من قبره ﴿ أنشره ﴾ قوله ﴿ كلا ﴾ يجوز أن يكون ردعاً للإنسان عن تكبره وترفعه أو عن كفره وإنكاره المعاد. وقال في الكشاف : وهذا هو ردع للإنسان عما هو عليه فهذا قول مجاهد إن إنساناً لم يخل من تقصير قط فلم يقض أحد من لدن آدم إلى هذه الغاية جميع ما كان مفروضاً عليه. وقال آخرون : معناه أن الإنسان الكافر لم يقض بعد ما أمره الله من التأمل في دلائل التوحيد والبعث. وقال الأستاذ أبو بكر بن فورك : القضاء بمعنى الحكم والضمير لله أي لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان وترك التكبر بل أمره بما لم يحكم له به. وحين فرغ من دلائل الأنفس أردفها بدلائل الآفاق قائلاً ﴿ فلينظر الإنسان ﴾ نظر استدلال وتدبر ﴿ إلى طعامه ﴾ الذي يعيش به كيف دبرنا أمره من إنزال الماء من السماء، ثم شق الأرض بالنبات أو بالكراب على البقر فيكون إسناد الفعل إلى السبب. والحب ما يصلح للقوت كالحنطة والشعير، والقضب العلف بعينه قاله الحسن. وقال أكثر المفسرين : إنه القت لأنه يقضب مرة بعد أخرى أي يقطع. والغلب الغلاظ الأعناق في الأصل يقال : أسد أغلب، ثم استعير للحدائق أنفسها لتكاثف أشجارها ولأشجارها لعظمها وغلظها. ثم أجمل الفاكهة ليعم الكل وأجمل العلف بقوله ﴿ وأبا ﴾ للعموم وهو المرعى لأنه يؤب أي يؤم وينتجع. والأب والأم إخوان قاله جار الله. وقيل : الأب الفاكهة اليابسة المعدّة للبقاء.


الصفحة التالية
Icon