ولما عدد النعم في نفسه من ابتداء حدوثه إلى آن انتهائه أتبعه ذكر النعم فيما يحتاج إليه فقال ﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه ﴾ الذي يأكله ويحيا به كيف دبرنا أمره ﴿ أَنَّا ﴾ بالفتح : كوفي على أنه بدل اشتمال من الطعام، وبالكسر على الاستئناف : غيرهم ﴿ صَبَبْنَا الماءَ صبًّا ﴾ يعني المطر من السحاب ﴿ ثمّ شققنا الأرض شقًّا ﴾ بالنبات ﴿ فأنبتنا فيها حبًّا ﴾ كالبر والشعير وغيرهما مما يتغذى به ﴿ وعنباً ﴾ ثمرة الكرم أي الطعام والفاكهة ﴿ وَقَضْباً ﴾ رطبة سمي بمصدر قضبه أي قطعه لأنه يقضب مرة بعد مرة ﴿ وزيتوناً وَنَخْلاً وحدائِقَ ﴾ بساتين ﴿ غُلْباً ﴾ غلاظ الأشجار جمع غلباء ﴿ وفاكهةً ﴾ لكم ﴿ وأبًّا ﴾ مرعى لدوابكم ﴿ مَّتَاعاً ﴾ مصدر أي منفعة ﴿ لّكم ولأنعامكم فإذا جاءت الصَّاخَّةُ ﴾ صيحة القيامة لأنها تصخ الآذان أي تصمها وجوابه محذوف لظهوره ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وأُمِّهِ وأَبِيهِ ﴾ لتبعات بينه وبينهم أو لاشتغاله بنفسه ﴿ وصاحِبَتِهِ ﴾ وزوجته ﴿ وَبَنِيهِ ﴾ بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه ثم بالصاحبة والبنين لأنهم أحب.
قيل : أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح ﴿ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنهُمْ يَوْمَئذٍ شَأْنٌ ﴾ في نفسه ﴿ يُغنِيهِ ﴾ يكفيه في الاهتمام به ويشغله عن غيره.
﴿ وجوهٌ يومئذٍ مُّسْفِرَةٌ ﴾ مضيئة من قيام الليل أو من آثار الوضوء ﴿ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ﴾ أي أصحاب هذه الوجوه وهم المؤمنون ضاحكون مسرورون ﴿ ووجوهٌ يومئذٍ عليها غبرةٌ ﴾ غبار ﴿ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ يعلو الغبرة سواد كالدخان ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه ﴿ أولئك ﴾ أهل هذه الحالة ﴿ هُمُ الْكَفَرَةُ ﴾ في حقوق الله ﴿ الفَجَرَةُ ﴾ في حقوق العباد، ولما جمعوا الفجور إلى الكفر جمع إلى سواد وجوههم الغبرة، والله أعلم. أ هـ ﴿تفسير النسفى حـ ٤ صـ ٣٣٢ ـ ٣٣٤﴾