ولما كانت على حال المكانة على حسب حال المكين قال ﴿ عِندَ ذِى العرش ﴾ ليدل على عظم منزلته ومكانته ﴿ مطاع ثَمَّ ﴾ أي في السماوات يطيعه من فيها أو عند ذي العرش أي عند الله يطيعه ملائكته المقربون يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه ﴿ أَمِينٍ ﴾ على الوحي ﴿ وَمَا صاحبكم ﴾ يعني محمداً ﷺ ﴿ بِمَجْنُونٍ ﴾ كما تزعم الكفرة وهو عطف على جواب القسم.
﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ ﴾ رأى محمد جبريل عليهما السلام على صورته ﴿ بالأفق المبين ﴾ بمطلع الشمس ﴿ وَمَا هُوَ عَلَى الغيب ﴾ وما محمد على الوحي ﴿ بِضَنِينٍ ﴾ ببخيل من الضن وهو البخل أي لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان بل يعلمه كما علم ولا يكتم شيئاً مما علم.
﴿ بظنين ﴾ مكي وأبو عمرو وعلي أي بمتهم فينقص شيئاً مما أوحي إليه أو يزيد فيه من الظنة وهي التهمة ﴿ وَمَا هُوَ ﴾ وما القرآن ﴿ بِقَوْلِ شيطان رَّجِيمٍ ﴾ طريد وهو كقوله :﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين ﴾ [ الشعراء : ٢١٠ ].
أي ليس هو بقول بعض المسترقة للسمع وبوحيهم إلى أوليائهم من الكهنة ﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ استضلال لهم كما يقال لتارك الجادة اعتسافاً أو ذهاباً في بنيات الطريق أي تذهب؟.
مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق وعدو لهم عنه إلى الباطل.
وقال الزجاج : معناه فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد : فأين تذهبون عنا وإن من شيء إلا عندنا ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين ﴾ ما القرآن إلا عظة للخلق ﴿ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ ﴾ بدل من ﴿ العالمين ﴾ ﴿ أَن يَسْتَقِيمَ ﴾ أي القرآن ذكر لمن شاء الاستقامة يعني أن الذين شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر فكأنه لم يوعظ به غيرهم وإن كانوا موعوظين جميعاً ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ ﴾ الاستقامة ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله رَبُّ العالمين ﴾ مالك الخلق أجمعين. أ هـ ﴿تفسير النسفى حـ ٤ صـ ٣٣٥ ـ ٣٣٧﴾


الصفحة التالية
Icon