أما في الموضع الثاني : فالمقسم عليه، وإن كان هو خلق الإنسان، لا أنه في أحسن تقويم، وهي أعظم نعمة عليه جاء بالمقسم به عرضاً للنعم، وتعددها من التين والزيتون، سواء كان المراد بهما الفاكهة المذكورة أو أماكنها، وهو بيت المقدس مع طور سينين.
فجاء بمكة أيضاً ولكن بوصف مناسب فقال :﴿ وهذا البلد الأمين ﴾ [ التين : ٣ ] فكأنه يقول : إن من أنعم على تلك البقاع بالخير والبركة والقداسة، أنعم على الإنسان بنعمة حسن خلقته وحسن تقويمه وفضله على سائر مخلوقاته. والله تعالى أعلم.
وهنا يقسم بحالات الكواكب على أصح الأقوال، في ظهورها واختفائها وجريانها، وبالليل إذا عسعس : أقبل وأدبر، أو أضاء وأظلم، والصبح إذا تنفس : أي أظهرت وأشرق، وهما أثران من آثار الشمس في غروبها وشروقها.
والمقسم عليه : هو أن القرآن قول رسول كريم كأنه يقول : إن القرآن المقسم عليه حاله في الثبوت والظهور، وحال الناس معه. كحال هذه الكواكب الثوابت لديكم في ظهورها تارة، واختفائها أخرى.
وكحال الليل واصبح فهو عند أناس موضع ثقة وهداية كالصبح في إسفاره، قلوبهم متفتحة إليه وعقولهم مهتدية به، فهو لهم روح ونور، وعند اناس مظلمة أمامه قلوبهم عمى عنه بصائرهم، وفي آذانهم وقر، وهو عليهم عمى، وأناس تارة وتارة كالنجوم أحياناً، تارة ينقدح نوره في قلوبهم، فتظهر معالمه فيسيرون معه، وتارة يغيب عنهم نوره فتخنس عنه عقولهم وتكنس دونه قلوبهم، كما قال تعالى عنهم :﴿ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ﴾ [ البقرة : ٢٠ ].
وليس بعيداً أن يقال : إنه من وجه آخر، تعتبر النجوم كالكتب السابقة، مضى عليها الظهور في حينها والخفاء بعدها.
والليل إذا عسعس : هو ظلام الجاهلية.