هذا الروح الذي لا يعرف الإنسان كنهه - وهل هو يعلم ما هو أدنى وهو إدراكه للمدركات الحسية ؟! - والذي يمتعه بومضات من الفرح والسعادة العلوية حتى وهو على هذه الأرض. ويصله بالملأ الأعلى، ويهيئه للحياة المرسومة بحياة الجنان والخلود. وللنظر إلى الجمال الإلهي في ذلك العالم السعيد !
هذا الروح هو هبة الله الكبرى لهذا الإنسان. وهو الذي به صار إنسانا. وهو الذي يخاطبه بإسمه: (يا أيها الإنسان).. ويعاتبه ذلك العتاب المخجل ! (ما غرك بربك الكريم ؟)هذا العتاب المباشر من الله للإنسان. حيث يناديه - سبحانه - فيقف أمامه مقصرا مذنبا مغترا غير مقدر لجلال الله، ولا متأدب في جنابه.. ثم يواجهه بالتذكير بالنعمة الكبرى. ثم بالتقصير وسوء الأدب والغرور !
إنه عتاب مذيب.. حين يتصور "الإنسان" حقيقة مصدره، وحقيقة مخبره، وحقيقة الموقف الذي يقفه بين يدي ربه، وهو يناديه ذلك النداء، ثم يعاتبه هذا العتاب:
(يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم. الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك)..
ثم يكشف عن علة الغرور والتقصير - وهي التكذيب - بيوم الحساب - ويقرر حقيقة الحساب، واختلاف الجزاء، في توكيد وتشديد:
الدرس الثالث: ٩ - ١٦ الرقابة على الإنسان وافتراق الأبرار عن الفجار (كلا ! بل تكذبون بالدين. وإن عليكم لحافظين، كراما كاتبين، يعلمون ما تفعلون. إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم الدين، وما هم عنها بغائبين)..
وكلا كلمة ردع وزجر عما هم فيه. وبل كلمة إضراب عما مضى من الحديث. ودخول في لون من القول جديد. لون البيان والتقرير والتوكيد. وهو غير العتاب والتذكير والتصوير..


الصفحة التالية
Icon