ثم ذكر سبحانه حالهم في الجنة بعد ذكر كتابهم، فقال :﴿ إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ ﴾ أي : إن أهل الطاعة لفي تنعم عظيم لا يقادر قدره ﴿ عَلَى الأرائك يَنظُرُونَ ﴾ الأرائك : الأسرة التي في الحجال، وقد تقدّم أنها لا تطلق الأريكة على السرير إلا إذا كان في حجلة.
قال الحسن : ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عندهم الحجلة إذا كان فيها سرير.
ومعنى :﴿ يُنظَرُونَ ﴾ : أنهم ينظرون إلى ما أعدّ الله لهم من الكرامات، كذا قال عكرمة، ومجاهد، وغيرهما.
وقال مقاتل : ينظرون إلى أهل النار، وقيل : ينظرون إلى وجهه، وجلاله.
﴿ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم ﴾ أي : إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة لما تراه في وجوههم من النور، والحسن، والبياض، والبهجة، والرونق، والخطاب لكلّ راء يصلح لذلك، يقال أنضر النبات : إذا أزهر ونوّر.
قال عطاء : وذلك أن الله زاد في جمالهم، وفي ألوانهم ما لا يصفه واصف.
قرأ الجمهور ﴿ تعرف ﴾ بفتح الفوقية، وكسر الراء، ونصب نضرة، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، ويعقوب، وشيبة، وطلحة، وابن أبي إسحاق بضم الفوقية، وفتح الراء على البناء للمفعول، ورفع نضرة بالنيابة ﴿ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ ﴾ قال أبو عبيدة، والأخفش، والمبرد، والزجاج : الرحيق من الخمر ما لا غشّ فيه، ولا شيء يفسده.
والمختوم الذي له ختام.
وقال الخليل : الرحيق أجود الخمر، وفي الصحاح الرحيق صفرة الخمر.
وقال مجاهد : هو الخمر العتيقة البيضاء الصافية، ومنه قول حسان :
يسقون من ورد البريص عليهم... بردى يصفق بالرحيق السلسل
قال مجاهد :﴿ مَّخْتُومٍ ﴾ : مطين كأنه ذهب إلى معنى الختم بالطين، ويكون المعنى : أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه للأبرار.
وقال سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي : ختامه آخر طعمه.


الصفحة التالية
Icon