وقال مقاتل بن سليمان : فليتنازع المتنازعون، وقوله :﴿ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ﴾ معطوف على ﴿ ختامه مِسْكٌ ﴾ صفة أخرى لرحيق أي : ومزاج ذلك الرحيق من تسنيم، وهو شراب ينصبّ عليهم من علو، وهو أشرف شراب الجنة، وأصل التسنيم في اللغة الارتفاع، فهي عين ماء تجري من علوّ إلى أسفل، ومنه سنام البعير لعلوّه من بدنه، ومنه تسنيم القبور، ثم بيّن ذلك فقال :﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا المقربون ﴾ وانتصاب عيناً على المدح.
وقال الزجاج : على الحال، وإنما جاز أن تكون ﴿ عيناً ﴾ حالاً مع كونها جامدة غير مشتقة لاتصافها بقوله :﴿ يَشْرَبُ بِهَا ﴾ وقال الأخفش : إنها منصوبة ب ﴿ يسقون ﴾ أي : يسقون عيناً، أو من عين، وقال الفرّاء : إنها منصوبة ب ﴿ تسنيم ﴾ على أنه مصدر مشتق من السنام، كما في قوله :﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ﴾ [ البلد : ١٤، ١٥ ] والأوّل أولى، وبه قال المبرّد.
قيل : والباء في بها زائدة أي : يشربها، أو بمعنى من أي : يشرب منها.
قال ابن زيد : بلغنا أنها عين تجري من تحت العرش، قيل : يشرب بها المقرّبون صرفاً، ويمزج بها كأس أصحاب اليمين.
ثم ذكر سبحانه بعض قبائح المشركين فقال :﴿ إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ ﴾ وهم كفار قريش، ومن وافقهم على الكفر ﴿ كَانُواْ مِنَ الذين ءامَنُواْ يَضْحَكُونَ ﴾ أي : كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤمنين ويسخرون منهم ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ ﴾ أي : وإذا مرّ المؤمنون بالكفار وهم في مجالسهم ﴿ يَتَغَامَزُونَ ﴾ من الغمز، وهو الإشارة بالجفون والحواجب : أي : يغمز بعضهم بعضاً، ويشيرون بأعينهم وحواجبهم، وقيل : يعيرونهم بالإسلام، ويعيبونهم به ﴿ وَإِذَا انقلبوا ﴾ أي : الكفار ﴿ إلى أَهْلِهِمْ ﴾ من مجالسهم ﴿ انقلبوا فاكهين ﴾ أي : معجبين بما هم فيه متلذذين به، يتفكهون بذكر المؤمنين، والطعن فيهم، والاستهزاء بهم، والسخرية منهم.


الصفحة التالية
Icon