قوله تعالى :﴿ والليل وَمَا وَسَقَ ﴾ أي جمع وضم ولف، وأصله من سَوْرة السلطان وغضبه ؛ فلولا أنه خرج إلى العباد من باب الرحمة ما تمالك العباد لمجيئه، ولكن خرج من باب الرحمة فمزح بها، فسكن الخلق إليه ثم ابذعروا والتفوا وانقبضوا، ورجع كل إلى مأواه فسكن فيه من هَوْلِه وحشا، وهو قوله تعالى :﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ [ القصص : ٧٣ ] أي بالليل ﴿ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ [ القصص : ٧٣ ] أي بالنهار على ما تقدم.
فالليل يجمع ويضم ما كان منتشراً بالنهار في تَصَرّفه.
هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل وغيرهم ؛ قال ضابيء ابن الحارث البرجُمِيّ :
فإني وإِياكُمْ وشوقاً إِليكُمْ...
كقابِضِ ماءٍ لم تَسِقْه أناملُهْ
يقول : ليس في يدهِ من ذلك شيء كما أنه ليس في يد القابض على الماء شيء ؛ فإذا جلل الليل الجبال والأشجار والبحار والأرض فاجتمعت له، فقد وَسَقَها.
والوسْق : ضمك الشيء بعضه إلى بعض، تقول : وَسَقْتُه أَسِقُه وَسْقاً.
ومنه قيل للطعام الكثير المجتمع : وَسْقٌ، وهو ستون صاعاً.
وطعام مُوسَق : أي مجموع، وإبل مُسْتَوْسِقة أي مجتمعة ؛ قال الراجز :
إنَّ لَنَا قِلائِصاً حقائِقاً...
مُسْتَوْسقاتٍ لو يَجِدْنَ سائِقاً
وقال عِكرمة :"وما وَسَق" أي وما ساق من شيء إلى حيث يأوِي، فالوَسْق بمعنى الطْرد، ومنه قيل للطريدة من الإبل والغنم والحمر : وسِيقة، قال الشاعر :
كما قافَ آثارَ الوسِيقةِ قائِفُ...
وعن ابن عباس :"وما وَسَق" أي وما جنّ وستر.
وعنه أيضاً : وما حَمَل، وكل شيء حملته فقد وَسَقْته، والعرب تقول : لا أفعله ما وَسَقَتْ عيني الماء، أي حملته.
ووسَقَت الناقةُ تَسِق وَسْقاً : أي حملت وأغلقت رحمها على الماء، فهي ناقة واسق، ونوق وِسَاق مثلَ نائِم ونيام، وصاحِب وصحِاب، قال بشر بن أبي خازم :
أَلَظَّ بِهِن يحدوهُنّ حتى...


الصفحة التالية
Icon