وهذا تحقيق وعدِ الصادق بأن يكون المعروف منكراً، والمنكر معروفاً ؛ وقد قال ﷺ لعائشة :" لولا حِدْثان قومِك بالكفر لهدمتُ البيت، ولرددته على قواعد إبراهيم " ولقد كان شيخنا أبو بكر الفِهْريّ يرفع يديه عند الركوع، وعند الرفع منه، وهو مذهب مالك والشافعي ويفعله الشِّيعة، فحضر عندي يوماً في مَحْرَس ابن الشَّواء بالثغر موضع تدريسي عند صلاة الظهر، ودخل المسجد من المَحْرس المذكور، فتقدم إلى الصف وأنا في مؤخره قاعداً على طاقات البحر، أتنسم الريح من شدة الحر، ومعي في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر وقائده، مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة، ويتطلع على مراكب تَخْت المِيناء، فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه قال أبو ثمنة وأصحابه : ألا ترون إلى هذا المشرقيّ كيف دخل مسجدنا؟ فقوموا إليه فاقتلوه وارموا به إلى البحر، فلا يراكم أحد.
فطار قلبي من بين جوانحي وقلت : سبحان الله هذا الطُّرطُوشيّ فقيه الوقت.
فقالوا لي : ولَم يرفع يديه؟ فقلت : كذلك كان النبي ﷺ يفعل، وهذا مذهب مالك، في رواية أهل المدينة عنه.
وجعلت أسكنهم وأسكتهم حتى فرغ من صلاته، وقمت معه إلى المسكَن من المحرس، ورأى تغير وجهي، فأنكره، وسألني فأعلمته، فضحك وقال : ومن أين لي أن أُقتل على سنةٍ؟ فقلت له : ولا يحل لك هذا، فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك وربما ذهب دمك.
فقال : دع هذا الكلام، وخذ في غيره.
قوله تعالى :﴿ بَلِ الذين كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ ﴾
محمداً ﷺ وما جاء به.
وقال مقاتل : نزلتْ في بني عمرو بن عُمَير وكانوا أربعة، فأسلم اثنان منهم.
وقيل : هي في جميع الكفار.
﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ﴾ أي بما يضمرونه في أنفسهم من التكذيب.
كذا رَوي الضحاك عن ابن عباس.
وقال مجاهد : يكتمُون من أفعالهم.


الصفحة التالية
Icon