ويحتمل ثالثاً : هو أعم، أنها ألقت ما استوعدت، وتخلت مما استحفظت لأن الله استودعها عباده أحياء وأمواتاً، واستحفظها بلاده مزارع وأقواتاً.
﴿ يا أيها الإنسانُ إنك كادحٌ إلى ربك كدْحاً فملاقيه ﴾ فيه قولان :
أحدهما : إنك ساعٍ إلى ربك سعياً حتى تلاقي ربك، قاله يحيى بن سلام، ومنه قول الشاعر :
ومَضَتْ بشاشةُ كلِّ عَيْشٍ صالحٍ... وَبقيتُ أكْدَحُ للحياةِ وأَنْصَبُ
أي أعمل للحياة. ويحتمل قولاً ثالثاً : أن الكادح هو الذي يكدح نفسه في الطلب إن تيسّر أو تعسّر.
﴿ فأمّا مَنْ أَوتي كِتابَه بيمينه ﴾ روي أن النبي ﷺ قال :
" يعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وفي الثالثة تطير الكتب من الأيدي، فبين آخذٍ كتابه بيمينه، وبين آخذٍ كتابه بشماله ".
﴿ فسوف يُحاسَبُ حِساباً يَسيراً ﴾ وفي الحساب ثلاثة أقاويل :
أحدها : يجازى على الحسنات ويتجاوز له عن السيئات، قاله الحسن.
الثاني : ما رواه صفوان بن سليم عن عائشة قالت : سئل رسول الله عن الذي يحاسب حساباً يسيراً، فقال :" يعرف عمله ثم يتجاوز عنه، ولكن من نوقش الحساب فذلك هو الهالك ".
الثالث : أنه العرض، روى ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها : أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله :﴿ فسوف يحاسب حساباً يسيراً ﴾ فقال :" ذلك العرض يا عائشة، من نوقش في الحساب يهلك ".
﴿ وَيَنقَلِبُ إلى أهْلِه مَسْروراً ﴾ قال قتادة : إلى أهله الذين قد أعدهم الله له في الجنة.
ويحتمل وجهاً ثانياً : أن يريد أهله الذين كانوا له في الدنيا ليخبرهم بخلاصه وسلامته.
﴿ إنَّه ظَنَّ أن لن يَحُورَ ﴾ أي لن يرجع حياً مبعوثاً فيحاسب ثم يثاب أو يعاقب، يقال : حار يحور، إذا رجع، ومنه الحديث :" أعوذ بالله من الحْور بعد الكْور "، يعني من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة، وروي :" بعد الكوْن "، ومعناه انتشار الأمر بعد تمامه.


الصفحة التالية
Icon