وقال النسفى :
سورة الانشقاق
﴿ إِذَا السماء انشقت ﴾ تصدعت وتشققت ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا ﴾ سمعت وأطاعت وأجابت ربها إلى الانشقاق ولم تأب ولم تمتنع ﴿ وَحُقَّتْ ﴾ وحق لها أن تسمع وتطيع لأمر الله إذ هي مصنوعة مربوبة لله تعالى ﴿ وَإِذَا الأرض مُدَّتْ ﴾ بسطت وسويت باندكاك جبالها وكل أمت فيها ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا ﴾ ورمت ما في جوفها من الكنوز والموتى ﴿ وَتَخَلَّتْ ﴾ وخلت غاية الخلو حتى لم يبق شيء في باطنها كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو.
يقال : تكرم الكريم إذا بلغ جهده في الكرم وتكلف فوق ما في طبعه ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا ﴾ في إلقاء ما في بطنها وتخليها ﴿ وَحُقَّتْ ﴾ وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع، وحذف جواب "إذا" ليذهب المقدر كل مذهب، أو اكتفاء بما على بمثلها من سورتي التكوير والانفطار، أو جوابه ما دل عليه ﴿ فملاقيه ﴾ أي إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه.
﴿ يا أيّها الإنسان ﴾ خطاب للجنس ﴿ إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً ﴾ جاهد إلى لقاء ربك وهو الموت وما بعده من الحال الممثلة باللقاء ﴿ فملاقيه ﴾ الضمير للكدح وهو جهد النفس في العمل والكد فيه حتى يؤثر فيها، والمراد جزاء الكدح إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
وقيل : لقاء الكدح لقاء كتاب فيه ذلك الكدح يدل عليه قوله ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ ﴾ أي كتاب عمله ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ﴾ سهلاً هيناً وهو أن يجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات.