وقال القاسمى :
سورة الانشقاق

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

﴿ إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ ﴾
أي : انصدعت وتقطعت كما تقدم في قوله :﴿ إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ ﴾ [ الانفطار : ١ ]، ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴾ أي : سمعت له في تصدعها وتشققها، وهو مجاز عن الانقياد والطاعة. والمعنى أنها انقادت لتأثير قدرته حين أراد انشقاقها، انقياد المطوع الذي يستمع للآمر ويذعن له. قال ابن جرير : العرب تقول : أذن لك في هذا أذناً، بمعنى استمع لك. ومنه الخبر الذي روي عن النبي ﷺ :< ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيٍّ يتغنى بالقرآن >. يعني ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبيّ يتغنى بالقرآن. ومنه قول الشاعر :
~صُمٌّ إذَا سَمِعُوا خَيْراً ذكرتُ به وإن ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عندهم أَذِنُوا
ومعنى قوله تعالى :
﴿ وَحُقَّتْ ﴾ أي : حق لها ووجب أن تنقاد لأمر القادر ولا تمتنع، وهي حقيقة بالانقياد لأنها مخلوقة له في قبضة تصرفهُ. قال المعرب : الأصل حق الله طاعتها، ولما كان الإسناد في الآية إلى السماء نفسها، والتقدير : وحقت هي، كان أصل الكلام على تقدير مضاف في الضمير المستكنّ في الفعل، أي : وحق سماعها وطاعتها، فحذف المضاف، ثم أسند الفعل إلى ضميره، ثم استتر فيه
﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ﴾ أي : بسطت وجعلت مستوية، وذلك بنسف جبالها وآكامها كما قال :
﴿ قَاعاً صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً ﴾ [ طه : ١٠٦ - ١٠٧ ]، ولذا قال ابن عباس : مدت مدَّ الأديم العكاظيّ ؛ لأن الأديم إذا مدّ زال كل انثناء فيه واستوى.
﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا ﴾ أي : ما في جوفها من الكنوز والأموات ﴿ وَتَخَلَّتْ ﴾ أي : وخلت غاية الخلوّ، حتى لم يبق شيء في باطنها، كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلوّ


الصفحة التالية
Icon